المذنب يعلم أن مغفرة ربه سبحانه أوسع من ذنوب العباد، ولذلك فهو حين يفزع إلى ربه بالاستغفار وطلب المغفرة يعلم أنه يفزع إلى رب يغفر الذنب ولا يبالي، وأن رحمته وسعت كل شيءٍ.
روي عن أنس – رضي الله عنه – قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((قال الله تبارك وتعالى: يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء، ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة)) (1) ومن هذا الذي يستغني عن الاستغفار وطلب المغفرة؟ إنه لا يعرض عنه إلا كل خاسرٍ داحرٍ جعل الهلاك طريقه وهو يسير فيه ليلقى في النهاية خساره وبواره، وعندها يندم ولات حين مندم، فالاستغفار شعار العبودية لله تعالى، ودليل الافتقار والحاجة إلى رحمته سبحانه. فاللهم اجعلنا من الذين إذا أحسنوا استبشروا، وإذا أساءوا استغفروا.
سابع عشر: ومن ثمرات الاستغفار وخيراته: أن الله تبارك وتعالى بين في كتابه الكريم أن الاستغفار متفرع عن الإيمان بالله والعلم بتوحيده. قال الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ (2) ففي هذه الآية الكريمة دلالة على فضل الاستغفار وشأنه وأنه عمل، وذلك أن الله تعالى جمع في هذه الآية الكريمة أمره الكريم بالعلم والعمل، وجاء العلم متقدماً على العمل. قال سفيان بن عيينة –لما سئل عن فضل العلم –: ألم تسمع قوله حين بدأ به: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ فأمر بالعمل بعد العلم (3)، وترجم البخاري في كتاب العلم في صحيحه (باب العلم قبل القول والعمل) (4) لقول الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ فبدأ بالعلم. وفي هذه الآية الكريمة من سورة (محمد) - صلى الله عليه وسلم - التي
(1) أخرجه الترمذي في الدعوات برقم (3540) وقال: حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
(2) سورة محمد: (19).
(3) تفسير القرطبي: (16/ 242).
(4) انظر: صحيح البخاري، كتاب العلم، باب العلم قبل القول والعمل ص (38).