عليك نوراً فلا تطفئه بظلمة المعصية (1). ورحم الله تعالى هؤلاء الرجال الأفذاذ من سلفنا الصالح، فقد كانوا على علم بأحوال النفس وأسباب سعادتها، وتعاستها، وأسباب جمالها ونورها، وأسباب قبحها وظلمتها. وهذا العالم النحرير الخبير بأحوال النفس وتقلباتها ابن القيم – رحمه الله – يصور لنا أهمية إشراقة القلب وأثرها قائلاً: ((وهذا كما أن الطاعة تنور القلب وتجلوه وتصقله وتقويه، وتثبته حتى يصير كالمرآة المجلوة، في جلائها وصفائها فيمتلئ نوراً، فإذا دنا الشيطان منه أصابه من نوره ما يصيب مسترق السمع من الشهب الثواقب، فالشيطان يفرق من هذا القلب أشد من فرق الذئب من الأسد، حتى إن صاحبه ليصرع الشيطان فيخر صريعاً فيجتمع عليه الشياطين، فيقول بعضهم لبعض: ما شأنه؟ فيقال: أصابه إنسي، أو به نظرة من الإنس.
فيا نظرة من قلب حرٍّ منوَّرٍ يَكَادُ لها الشيطان بالنور يحرق
أيستوي هذا القلب، وقلب مظلمةٌ أرجاؤه، مختلفة أهواؤه قد اتخذه الشيطان وطنه، وأعده مسكنه، إذا تصبح بطلعته حيَّاهُ وقال: فديت من قرين لا يفلح في دنياه ولا في أخراه)) (2).
والصدأ يحجب جمال وإشراق المعدن ولمعانه ونتيجة لذلك فلا تعرف للمعدن بالصدأ قيمة، والأمر كذلك في القلب الصدئ فلا تعرف قيمة صاحبه، وبالتالي فكما أن الصدأ حاجز مانع من الرؤية فكذلك القلب الصدئ محجوب من الرؤية الصحيحة، وإدراك الأشياء إدراكاً صحيحاً والحكم عليها حكماً صحيحاً في ميادين المحسوسات والمعقولات. وفي المقام يمكننا بالمقابل أن نتدبر معاني ودلالات قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (3) وقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (4) وقوله عز من قائل: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36)
(1) الجواب الكافي لابن القيم ص (56 - 83).
(2) الجواب الكافي ص (100 - 101).
(3) سورة الأنفال: (29).
(4) سورة الحديد: (28).