تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال صاحب (الظلال) بعد أن أورد نصوصاً من القرآن الكريم تبين العلاقة القوية بين قيم الإيمان وقيم الواقع في الحياة البشرية: ((وهكذا نجد في هذه النصوص وأمثالها في القرآن الكريم العلاقة الواضحة بين كون الله سبحانه هو الحق، وبين خلقه لهذا الكون وتدبيره بنواميسه ومشيئته بالحق، وبين الظواهر الكونية التي تتم بالحق، وبين تنزيل هذا الكتاب الحق، وبين الحكم بين الناس في الدنيا والآخرة بالحق، فكله حق واحد موصول ينشأ عنه جريان قدر الله بما يشاء، وتسليط القوى الكونية بالخير والشر على من يشاء وفق ما يكون من الناس في الخير والشر في دار الابتلاء، ومن هنا كان ذلك الربط بين الاستغفار والتوبة، وبين المتاع الحسن، وإرسال السماء مدراراً، فكل أولئك موصول بمصدرٍ واحدٍ هو الحق المتمثل في ذات الله سبحانه. وفي قضائه وقدره وفي تدبيره وتصريفه، وفي حسابه وجزائه في الخير والشر سواء، وفي هذا الارتباط يتجلى أن القيم الإيمانية ليست منفصلة عن القيم العملية في حياة الناس، فكلتاهما تؤثر في هذه الحياة، سواء عن طريق قدر الله الغيبي المتعلق بعالم الأسباب من وراء علم البشر وسعيهم، أو عن طريق الآثار العملية المشهودة التي يمكن للبشر رؤيتها، وضبطها كذلك. وهي الآثار التي ينشئها في حياتهم الإيمان، أو عدم الإيمان من النتائج المحسوسة المدركة (1).

إن إدراك معنى وحقيقة أن الطاعات لله تعالى ومنها الاستغفار سبب لوفرة الخيرات والبركات ونزول الأمطار، وحصول القوة الظاهرة والباطنة، يحتاج إلى قراءة وتأمل وتبصرٍ في كتاب الله تعالى المسطور وهو القرآن الكريم، وفي كتابه المنظور وهو الكون المفتوح الواسع، والنظر في أحوال الأمم والمجتمعات ماضياً وحاضراً، وينبغي ألا يغفل العاقل عن النظر والتأمل في أحوال نفسه العجيبة التي هي عالم صغير يحكي قصة العالم الكبير حوله، ومن شأن ذلك كله أن يمكن المسلم من الوقوف على حقيقة العلاقة بين القيم الإيمانية والقيم الواقعية في الحياة البشرية وإدراك الحقيقة الخالدة بأن الله تعالى لم يخلق خلقه إلا لعبادته وهي حقيقة قرآنية من حقائق الوجود الخالدة الباقية. قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (2) والعبادة لو كانت (هي مجرد الشعائر التعبدية ما استحقت كل هذا الموكب الكريم من الرسل والرسالات، وما استحقت كل هذه الجهود المضنية التي بذلها الرسل –

(1) في ظلال القرآن لسيد قطب (12/ 1905).

(2) سورة الذاريات: (56).

الاستغفار وثمراته في القرآن والسنة · الصفحة ٢١١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الاستغفار وثمراته في القرآن والسنةص ٢١١