تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

على ذلك ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾ (1) فهذا لا إشكال فيه) (2).

وثمة سؤال هام يفرض نفسه في هذا المقام، وهو: هل توبة المذنب لا بد منها لمغفرة الذنب؟ إن ظواهر النصوص القرآنية الكريمة في الموضوع تدل على أن التوبة لا بد منها في حصول المغفرة، قال

ابن كثير في تفسيره: ((ولا يصح حمل هذه الآية على غير التوبة؛ لأن الشرك لا يغفر لمن لم يتب منه)) (3)، ويبين ابن تيمية في التفسير الكبير: أن هذه الآية في حق التائبين، فيقول رحمه الله: ((فإن قيل: قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ (4) معه عموم على وجه الإخبار، فدل على أن الله يغفر كل ذنب، ومعلوم أنه لم يرد أن من أذنب من كافر وغيره فإنه يغفر له ولا يعذبه لا في الدنيا ولا في الآخرة فإن هذا خلاف المعلوم بالضرورة، والتواتر، والقرآن، والإجماع، إذ كان الله أهلك أمماً كثيرةً بذنوبها، ومن هذه الأمة من عُذب بذنوبه إما قدراً وإما شرعاً، في الدنيا قبل الآخرة. وقد قال تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ (5) وقال: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (6) فهذا يقتضي أن هذه الآية ليست على ظاهرها)) (7).

وكلامه رحمه الله يدل على أن العموم لمغفرة الذنوب في الآية عموم بمعنى الخصوص، وذلك ما سبقت الإشارة إليه من كلام الإمامين: ابن عطية، والقرطبي رحمهما الله، قال صاحب التحرير والتنوير – رحمه الله –: ((وهذه المغفرة تقتضي أسباباً أجملت هنا وفُصِّلت في دلائل أخرى في الكتاب والسنة منها قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ (8) وتلك الدلائل

(1) سورة طه: (82).

(2) تفسير القرطبي (15/ 269).

(3) تفسير ابن كثير (4/ 58).

(4) سورة الزمر: (53).

(5) سورة النساء: (123).

(6) سورة الزلزلة: (7 - 8).

(7) التفسير الكبير لابن تيمية (6/ 43 - 44) تحقيق وتعليق د/ عبدالرحمن عميرة.

(8) سورة طه: (82).

الاستغفار وثمراته في القرآن والسنة · الصفحة ١٧٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الاستغفار وثمراته في القرآن والسنةص ١٧٨