تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فقال: وأنا كذلك لم أفهم ما تريد.

قال أبو علقمة: أردت من قولي أصقعَت العتاريف؟ أنْ أسألكَ: أصاحت الديكة؟ ولو رجعتَ إلى المعاجم لرأيت هذا المعنى.

فقال له الغلام: وأنا أردت من قولي زقفيلم: أن أجيبك: لم تصح الديكة. ولو رجعت إلى المعاجم لما رأيت هذه الكلمة.

كما وردَ أن أبا علقمة نفسه وقع مغشياً عليه مرة، فظنَّه الناس مصروعاً، فأخذوا يُعالجونه ويدعون له بالشفاء، فلما صحا من صدمته ووجدهم حوله، قال لهم: «ما لكم تكأكأتم علي كتكأكئكم على ذي جنَّة، افرنقعوا عني» يريد: ما لكم تجمعتم حولي كما تتجمعون على من به جنون، انصرفوا عني، وتفرَّقوا ودعوني وشأني. فاختارَ لهذه المعاني أصعب وأبعد الألفاظ عن الفهم.

فقال أحد الواقفين مازحاً: دعوه فإن جنّيّته تتكلم الهندية.

وسئل ورّاق عن حاله فأجاب: عيشي أضيق من محبرة، وجسمي أدقُّ من مسطرة. وجاهي أوهى من الزجاج، وسوء حالي ألزمُ من الصَّمْغ. وحظّي أسودُ من الحبر، وطعامي أمرُّ من الصبر.

فقال له صاحبه: عبّرت عن بلاء ببلاء!.

وأرى أن قوله - صلى الله عليه وسلم -: «ولا تُعَسّروا» (1). يتناول التيسير في القول كما يتناول التيسير في العمل والتوجيه والفتوى والتعليم، ويعجبني قول الرُّصَافي:

لست بالشاعر الذي يرسل اللفـ ... ـظ جزافاً لكي يصيب جناسه

أنا لا أبتغي من الشعر إلا ... ما جرى في سُهولة وسلاسَه

إنما غايتي من الشعر معنى ... واضحٌ يأمنُ اللبيبُ التباسَه

هذا وإن اللغة العربية في القرن العشرين حيّة ميتة.

حية لوجود القرآن الكريم والسنة الشريفة، حية في الكتب القديمة والحديثة، وعلى ألسنة الفقهاء والعلماء والخطباء ذوي المعرفة بها.

ميتة عند عامة العرب والمسلمين الذين لم يدرسوها وهم يتفاهمون بالعاميّة التي يروّج لها أعداء الإسلام والعروبة، لأن من جهل اللغة العربية جهل القرآن والسنة وعاش في بعد عنهما وضلال كبير. وكم يُؤلم الغيورَ على الإسلام والعربية أن يرى ويسمع كثيراً من العرب يتكلمون الإنكليزية في بلادهم العربية وفي الفنادق والمنتديات العلمية وعلى الهواتف في البلاد الأجنبية، يخاطب العربيُّ بها أخاه العربي بطلاقة وإتقان، ولا يعرف من اللغة الفصحى شيئاً، وإذا تكلَّم بالعربية تكلَّم بها ركيكة

(1) رواه البخاري ومسلم.

الأسرة المثلى · الصفحة ٤٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الأسرة المثلىص ٤٧