قال رجل لسعيد بن عبد الملك وهو يُودعه لسفر: أتأمرني (بشيئاً)؟!.
فقال له سعيد: «نعم، آمرُك بتقوى الله وإسقاط الألف» أي: أن تقول بشيءٍ؛ لأنها مجرورة بالباء، وقوله يدلُّ على أنه يرى أنَّ إصلاحَ الكلام وتصويبه وفصاحتَه من التقوى حيث قرن بينهما.
وقال رجل للأعمش: من أين أقبلت؟ قال: من السوق - وماذا اشتريت؟ قال: اشتريت عسلاً بالنصب، لأنها مفعول به.
وكان واجب الرجل أن يقول له: هلا زدتَ في العسل ألفاً، لأنها مفعول به لفعل زدت، والأعمش من أهل العلم، وأدرك خطأه غير المتعمد وخطأ الرجل معه، فصحَّحَ كلامَه وكلامَ صاحبه. وهكذا كانوا يرون الخطأ في اللغة عيباً كبيراً فيسارعون إلى نصح المخطئ وتصويب كلامه.
ورحم الله القائل:
النحو يُصلح من لسانِ الأَلْكَنِ ... والمرءُ تُكرمُه إذَا لم يَلْحَن
وإِذا أردتَ من العُلوم أجلَّها ... فأَجلُّها منها مقيمُ الأَلْسُن
ومن طريف ما قرأت في الشعر هذان البيتان:
اعتذر شاعر عن تقصيره في البلاغة والفصاحة والعلم، لأن قومَه لا يقدِّرون ذلك - وهذا ليس عذراً مقبولاً منه - فقال:
إذا شاهدت في علمي فتورَاً ... ونُطقي والفَصاحِةِ والبيان
فلا تعجبْ لذلك إنَّ رقصي ... على مقدار إيقاعِ الزمان
واللغة الفصحى التي ندعُو لتعلمها، والنطق بها هي اللغة الجميلة السهلة العذبة الواضحة، التي تَنْزل على قلب وسمع الناس برداً وسلاماً، كأنها الماء العذب الزلال، يقدَّم لعطشان على حر وتعب؛ فيجيبه وينعشه.
وإذا كان القرآن الكريم، وهو أعظم ما عرفت البشرية كلها من مبدأ وعلم ومنهج، قد يسّره الله للذكر والفهم، فجدير بنا أن نسلك سبيل التيسير في حياتنا قولاً وعملاً:
﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: 22]
أما التقعر في اللغة والتشدُّق فيها، واختيار الألفاظ الصعبة منها مما يحتاج السامع معها إلى الرجوع إلى القواميس اللغوية، فهذا ليس مشكوراً في الكلام.
وأضرب لذلك مثلاً بعض ما ورد عن أبي علقمة النحوي الذي كان يُحبُّ التقعر في الكلام، فقد سأل خادمه يوماً: أصقعت العتاريف؟ فلم يفهم خادمُه شيئاً فأراد أن يجاري سيده في التقعير، فبالغ وأتاه بكلام لا معنى له، فقال له: زقفيلم. فقال له أبو علقمة: أعدْ ما قلتَ لم أفهم ما تريد.