تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الكريمتين تدلان على أن كل عسر يعقبه يسران.

لأن المعرفة إذا تكررت لا تتعدد، أما النكرة فإنها إذا تكررت تعددت، والعسر في الآيتين معرفة فهو واحد، وكلمة يسر أتت في الآيتين نكرة فهما يسران. فكلُّ عسر وراءه يُسران وكل شدة وراءها راحتان من لطف الله وكرمه.

وروت كتب السير والتراجم والأدب: أن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، رأى رجلاً يخطئ في رمي السهام وهو يتدرب للقتال، ثم سمعه يخطئ في اللغة العربية، وهو يخاطب زملاءَه، فقال له: «والله إنَّ خطأكَ في اللغة أشدُّ علي من خطئك في الرمي» وقال: «تعلَّموا العربية السليمة كما تتعلمون الفرائضَ والسُّنن» وقال: «تعلَّموا العربيةَ فإنها تقوِّي العقل وتزيدُ في المروءة والفهم».

وقال عبد الملك بن مروان: «اللَّحن في المنطق أقبحُ من آثار الجدري في الجسم».

وقال الحسنُ البصري رحمه الله: «إني لأخشى إنْ دعوتُ اللهَ فلحنتُ - أي: أخطأت - في الدعاء أنْ لا يُستجابَ لي».

وورد عن المأمون أنه قال لولده: «يا بني تعلَّمِ العربيةَ فبها تُصلح لسانَك، وتفوقُ أقرانَك، وتُقيم أَوَدَك: - معيشتك - وتَزين مجلسك، وتُبطل حجة خصمك بمسكتات حكمتك».

وكان الفقهاء والعلماء لا يرون الصلاة خلف من يلحن ولا يتقن العربية، لأن تغير حركة أو حرف قد يُؤدي إلى معصية أو خطأ فاحش يُبطل الصلاة.

ففي أوائل سورة التوبة قوله تعالى:

﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: 3]

فكلمة ورسوله الثانية مرفوعة، والواو قبلها للاستئناف، وهي مبتدأ خبره محذوف، التقدير: ورسولُه بريءٌ من المشركين أيضاً.

ولو نصبتَ: ورسولَه، لصحَّ الكلامُ على العطف، والتقدير: إن الله بريء من المشركين وإنَّ رسولَه بريءٌ منهم كذلك.

أما لو أخطأ الإمامُ لجهله باللغة فجرّ كلمة (ورسوله) الثانية بالكسرة - لا سمح الله - لوقعَ في خطأ فاحش يُسيء إلى الصَّلاة، لأن المعنى يكون عندئذ أنَّ الله بريء من رسوله، وهذا غير صحيح، فالله يحبُّ رسولَه، ويؤيده وينصره.

ولذا كان السَّلفُ يعوِّدون لسانهم على الصواب، وعدم اللحن في الجدِّ والهزل، وكانوا يقولون: اللحن ليس من المروءة.

الأسرة المثلى · الصفحة ٤٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الأسرة المثلىص ٤٥