وهذا التشكيك يتم تسويغه باسم البحث العلمي، وغالباً ما يزرع الباحث الشَّك دون أن يبدي رأيه في تعداد قوات الجانبين، بل يترك الأمر مبهماً بعد أن يسدل عليه ستاراً من الدخان الكثيف.
ومن الغريب جداً، أن يعزو المؤرخ العربي المسلم المُشكَّك أمر التشكيك إلى نفسه، كأنه استنتجه ببحثه العلمي الخاص به الذي لم يسبقه إليه آخر، والواقع أنه نقله نقلاً حرفياً من أحد المصادر الأجنبية بأمانة، دون أن يشير بأمانة أيضاً إلى المصدر الذي نقل حرفياً منه التشكيك، كما تقتضي الأمانة العلمية في النقل.
وتعود إلى المصدر الأجنبي المنقول منه ذلك التشكيك، فيذهلك حقاً أن مؤلِّفه الأجنبي عدو للعرب والمسلمين، كاره لتاريخهم العريق، لأنه يهودي أو مُنصِّر أو جاسوس، أكل قلبه الحقد على الفتوح العربية الإسلامية، وهو مَعْنِيّ بهدم الفتوح والتهوين من شأنها وقيمتها، ليصل إلى هدفه الحيوي، وهو التهوين من قدرة العرب أُمَّة ومن أثر الإسلام في العرب ديناً.
وما يقال عن التشكيك في تعداد قوات الجانبين، يقال عن التشكيك في تعداد خسائر الجانبين بالأرواح.
وتتلخص حجج الأجنبي في تشكيكه في تساؤله:
كيف يمكن حصر عَدَد قوات الجانبين، وكيف يمكن إحصاؤها في الظروف الحربية الصعبة، وحصرُ القوات وإحصاؤها صعبٌ في الظروف الاعتيادية؟!
وكيف يمكن إحصاء الخسائر بالأرواح في الحرب، وهي كَرُّ وفَرُّ . . لا تستقر على قرار، ولا تعطي الوقت الكافي للإحصاء؟!
وهدف الأجنبي الحاقد مفهوم، أما هدف المؤرخ العربي المسلم الذي يستسلم للتشكيك المريب فغير مفهوم، إلاَّ أن يكون الناقل جاهلاً، يستورد تاريخ العرب والمسلمين من المصادر الأجنبية دون فهم ولا تمحيص.
أو يكون الناقل ملوث العقل بما قرأه في المصادر الأجنبية، فلوَّث بالعدوى عقول تلاميذه وطلاَّبه في المؤسسات التعليمية وقرائه وسامعيه.