وإذا لم يستطع الذين يعيدون كتابة معارك الفتوح مثلاً أن يحتفظوا بالحقائق ويحافظوا عليها، فالأفضل لهم وللعرب والمسلمين وللتاريخ وللعسكرية الإسلامية أن يُبقوا كل شيء على ما هو عليه.
إن من الصعب جداً أن نقارن بين معركة إسلامية جرت قبل أربعة عشر قرناً، بمعركة حديثة جرت في الحرب العالمية الثانية، من ناحية التفاصيل والأساليب القتالية، لأنها مختلفة في المعركتين اختلافاً بعيداً، لاختلاف أنواع الأسلحة ووسائط النقل والمواصلات وتعداد المقاتلين، وزج هذه المقارنة بهذه الطريقة الناشزة، بمناسبة أو بدون مناسبة، خطأ فاحش لا مسوِّغ له، وقع فيه كثير من الذين حاولوا إعادة كتابة المعارك العربية الإسلامية، فأساؤوا وهم يحسبون أنهم أحسنوا صنعاً، لأنهم جعلوا من المعارك العربية الإسلامية ذنباً للمعارك الأجنبية، وهي ليست ذنباً بل رأساً، لأنها أقدم توقيتاً من المعارك الأجنبية، وقد يقتبس الحديث من القديم، والعكس ليس صحيحاً بل مستحيلاً.
ولكن يمكن مقارنة مبادئ الحرب في المعركتين القديمة والحديثة، لأن المبادئ ثابتة، والأساليب متغيرة.
وما يقال عن المعارك العربية الإسلامية، يقال عن القادة العرب والمسلمين، فلهؤلاء القادة سماتهم ومزاياهم التي تناسب عصرهم وعقيدتهم وسلوكهم وتقاليدهم، فينبغي الإبقاء على تلك المزايا والسِّمات كما كانت عليه دون أن نبقي أسماءهم كما هي ونمسخ سيرتهم بإضافة مزايا وسمات جديدة إليهم لم يكونوا يعرفونها ولم يسمعوا بها، ولو عادوا إلى الحياة لما تقبلوها.
لقد عاشوا قبل أربعة عشرا قرناً، والقادة الأجانب الذين عاشوا في القرن الحالي، يختلفون عنهم في كل شيء تقريباً، فإذا شبهنا قادة العرب والمسلمين بالقادة الأجانب كما يفعل قسم من المؤلفين المحدثين من العرب والمسلمين، فقد قللنا من أقدار قادتنا ومنزلتهم، وأسأنا إليهم من حيث أردنا الإحسان . .