كما لا بد ن أن نلمح إلى حاله هو (عليه الصلاة والسلام) الذي اقتصد في العيش ابتغاء ما عند الله، وفي القصة المذكورة يبين عمر بن الخطاب (رضي الله عنه ) شيئاً من حال النبي (صلى الله عليه وسلم) حيث يقول: ((دخلت عليه فإذا هو مضطجع على رمال(1) حصير، ليس بينه وبينه فراش، قد أثر الرمال بجنبه، متكئ على وسادة من أدم حشوها ليف فسلمت عليه... ثم رفعت بصري في بيته فوالله ما رأيت فيه شيئا يرد البصر غير أهبة(2) ثلاثة فقلت: ادع الله فليوسع على أمتك فإن فارس والروم وسع عليهم وأعطوا الدنيا وهم لا يعبدون الله وكان متكئاً فقال: أوفي شك أنت يا ابن الخطاب، أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا))(3).
من هنا لا بد أن نعلم أن الحال التي كان النبي (صلى الله عليه وسلم) يريد من زوجاته أن يكن عليها نجده هو أكمل حال فيها.
وفي التخيير فائدة دعوية جميلة وهي أن المختار يكون لديه الاستعداد لما يترتب على هذا الخيار من لوازم بعد ذلك، وأنه ترك المرغوب عنه عن طواعية واختيار فلا تتعلق به نفسه.
(1) بكسر الراء ويجوز ضمها، يقال : رَمَلَ الْحَصِير إِذَا نَسَجَهُ , والمراد ضلوعه المتداخلة بمنزلة الخيوط في الثوب المنسوج، وكأنه لم يكن فوق الحصير فراش ولا غيره بحيث لا يمنع تأثير الحصير. (ابن احجر، فتح الباري 5/117. وانظر : الزبيدي، تاج العروس 7/350. والجوهري، الصحاح 4/1713 مادة [رمل] ).
(2) الإهاب : الجلد مالم يدبغ. (الجوهري، الصحاح 1/89 مادة [أهب] ).
(3) أخرجه البخاري، الجامع الصحيح، كتاب المظالم والغصب، رقم الحديث 2468.