هذا الموقف الدعوي هو أمر من الله (سبحانه وتعالى) لرسوله (صلى الله عليه وسلم) بتوجيه الدعوة إلى أزواجه، ومن خلال هذا الأمر يظهر الأسلوب الدعوي وهو التخيير، ففي النص الأول المتعلق بتخيير زوجات النبي (صلى الله عليه وسلم) نجد الموقف الدعوي الحكيم تخيير بين أمرين: الحياة الدنيا وزينتها ومفارقة الرسول (صلى الله عليه وسلم)، أو إرادة الله والدار الآخرة والبقاء مع الرسول (صلى الله عليه وسلم). إنها دعوة إلى الإعراض عن الحياة الدنيا، ولكن بأسلوب جميل، أسلوب التخيير دون الإلزام والإجبار، إنه يخير نساءه (عليه الصلاة والسلام) بين الدنيا والآخرة، كما تروي لنا عائشة (رضي الله عنها) جانباً من هذا التخيير، فتقول: ((... فأنزلت آية التخيير، فبدأ بي أول امرأة، فقال: إني ذاكر لك أمراً، ولا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك. قالت: قد أعلم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقك. ثم قال: إن الله قال: يا أيها النبي قل لأزواجك إلى قوله عظيماً. قلت: أفي هذا أستأمر أبوي، فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة. ثم خير نساءه، فقلن مثل ما قالت عائشة))(1).
إذاً كل زوجات النبي (صلى الله عليه وسلم) اخترن هذا الخيار، اخترن حب الله ورسوله على الحياة الدنيا وزينتها.
وقيل في سبب التخيير أن بعض زوجاته سألنه شيئاً من عرض الدنيا، وقيل زيادة في النفقة، وقيل آذينه بغيرة بعضهن على بعض(2). وفي رواية لمسلم قول الرسول (صلى الله عليه وسلم) لعمر: ((هن حولي كما ترى يسألنني النفقة ))(3). وسؤال المرأة زوجها النفقة وإن توسعت في ذلك إنما هو أمر مباح، ولكنها التربية النبوية لزوجات المصطفى (صلى الله عليه وسلم).
(1) أخرجه البخاري، الجامع الصحيح، كتاب المظالم والغصب، رقم الحديث 2468.
(2) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن 14/106. وابن الجوزي، زاد المسير 6/376.
(3) صحيح مسلم، كتاب الطلاق، حديث 2703.