الوجه الثاني : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مأمورا بتبليغ الرسالة بقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ)(1)وقد بلغ تارة بالكتاب وتارة باللسان, وكان ذلك تبليغا تاما , فإنه كتب إلى ملوك الآفاق يدعوهم إلى الدين. فكذلك في عقد النكاح الكتاب بمنزلة الخطاب(2)
أدلة القول الثاني :
استدل القائلون بعدم صحة التعاقد بين غائبين بالكتابة بالدليلين الآتين :
الدليل الأول :
أن الكتابة كناية, والعقود التي تحتاج إلى قبول كالبيع والإجارة والنكاح لا تنعقد بالكناية(3)
الدليل الثاني :
أن اتصال القبول بالإيجاب شرط, وفي الكتابية بين غائبين يتأخر القبول عن الإيجاب(4).
والقول الأول الراجح لقوة الأدلة ولأنه كما صح بين حاضرين فيصح بين غائبين للضرورة.
ولكن لابد من الاحتياط والتثبت في عقد النكاح بين غائبين والتأكد من صحة الكتابة من المرسل والمرسل إليه عملا بقاعدة إذا ضاق الأمر اتسع.
وفي هذا التفصيل عمل بالأدلة الدالة على جواز إجراء عقد النكاح بين غائبين بالكتابة, وتحقيق لمقاصد الشريعة من أخذ الحيطة والحذر في عقد النكاح, ومزيد عناية في حفظ الفروج والأعراض . والله أعلم.
المبحث السادس: مجلس العقد ابتداؤه ونهايته عند التعاقد بين غائبين بالمكاتبة :
مما لا شك فيه أن تصور بداية المجلس ونهايته عند التعاقد بالكتابة بين حاضرين يعد أمرا سهلا ميسروا ؛ لأن العاقدين حاضران في مجلس العقد..
أما تصور بداية المجلس ونهايته عند التعاقد بين غائبين بالكتابة ففيه شيء من الغموض والصعوبة , نظرا لتباعد المتعاقدين , إذ يحدث بسبب ذلك تأخير اتصال القبول بالإيجاب , وتأخير علم الموجب بقبول من وجه إليه الإيجاب.
(1) سورة المائدة آية 67.
(2) ينظر : المبسوط 5/16.
(3) ينظر : الحاوي 13/26, والأشباه والنظائر للسيوطي ص 188.
(4) ينظر : الأشباه والنظائر للسيوطي ص188