تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فلستُ لحاصنٍ إنْ لم تَرَوْنا ... نُجَالِدُكُمْ كأنّا شَرْبُ خَمْرِ

ويقول عمرو ذو الكلْب الهذلي مُتوعداً قوماً((1)):

فلست لحاصنٍ إنْ لم تَرَوْني ... ببطنِ صَرِيْحَةٍ ذاتِ النِّجَالِ

وأمُّي قَيْنَةٌ إنْ لم تَرَوْنِي ... بعَوْرَشَ وَسْطَ عَرْعَرِها الطّوَالِ

إن القدرة على إنجاز الإيعاد تدل على حصانة الأم في عرف الجاهلين الصريح، وخلاف ذلك يدل على عبوديتها ورقها، وعدم حصانتها. والأمر لا يقتصر على إنجاز الإيعاد بل يتعداه إلى قضايا أخرى تتصل بتربية النفس على كبح الأهواء؛ فإياس بن قَبيصة الطائي يعلن أنّه ليس ابن امرأة كريمة من ربيعة إن شايع الهوى، وتابعه في طلب امرأة، وذلك في قوله((2)):

مَاوَلَدَتْني حَاصِنٌ رَبَعِيّةٌ ... لَئِنْ أنا مَالأْتُ الهَوى لاتّبَاعهَا

إن امتلاك ابن الحرّة القيم الفاضلة لا يعني الوراثة الطبيعية لها من جهة الأم بل يعني أن الأمّ الحرّة هي القادرة على غرس تلك القيم في نفوس أبنائها، بمعايشتها لهم، وبتنشئتهم عليها، وبدفعهم إلى السلوك الموصل إليها.

والأم الحرة هي الكريمة من النساء نسباً وحسباً، ولذلك أبرز الصرحاء كرم نسب أمهاتهم، ومن الشعر الدّال على ذلك افتخار الرّقاص بن عدي الكلابي بنسب أمه الثاقب((3))، ومدح حذيفة ابن غانم العدوي لأبي لهب بن عبد المطلب بكرم منبت أمّه لبنى بنت هاجر الخزاعية السّبئِيّة في قوله((4)):

وأمُّكَ سِرٌ من خزاعةَ جَوْهَرٌ ... إذا حَصَّلَ الأنْسَابَ يوما ذوو الخبر

إلى سبأ الأبطال تُنمى وتنتمي ... فَأكْرِمْ بها منسوبة في ذرا الزُّهْرِ

(1) -شرح أشعار الهذليين 2/572. وبطن صريحة: موضع، والنجال: جمع نجل. وهو هنا الماء المستخرج من الأرض. وعورش: اسم مكان.

(2) -شرح ديوان الحماسة 1/208.

(3) -انظر الوحشيات ص12.

(4) -سيرة ابن هشام 1/162.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة * · الصفحة ٩٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة *ص ٩٧