وهذا الهجاء يعني أن من الصرحاء من كان يأبى رفع الآباء إلى منزلة تفوق صفاتهم الإنسانية، ويشير إلى جانب من تصارع قيم المنتمين إلى النسب الأبوي، قيم المغالين في التعصب الذين يريدون استمرارية القديم، وقيم الذين يريدون قطع تلك الاستمرارية بإدخال نسغ جديد إلى شجرة الحياة في مجتمعهم القبلي الموّار بالجدل الإنساني المتمثل بالصراع بين نوعين من القيم: قيم الانغلاق والتشرذم، وقيم الانفتاح والتوحد؛ فمغالاة الصريح في التعصب لجماعته الأبوية جعلته يعتقد أنّه وقومه خير الناس؛ فكانت الحروب الطاحنة التي مزقت أوصال الجماعات، وحدثت المظالم التي قطعت الأواصر، وتكونت مفاهيم خاطئة ترى أن السلوك الإنساني إرث ثابت ينتقل من الآباء إلى الأبناء، وأن الأبناء لا يستطيعون تجاوز دوائر السلوك التي عاش فيها آباؤهم.
إن القيم الناتجة عن الإيغال في التعصب تضخّم الذات والجماعة الأبوية الصريحتين، إلى درجة عدم الاقتدار على التوافق مع الواقع المعاش، فتظهر بذلك العدوانية، وينتاب القلق النفوس. وفي مقابل ذلك وجدنا قيم الانفتاح والتوحد، حيث التناصر والتكافل بعيداً عن الظلم، وحيث مكارم الأخلاق القابلة للانتقال من يد إلى أخرى بالإرث والعمل معاً، أو بالعمل وحده أيضاً.
لقد أكسبت قيم الانفتاح والتوحد نفوس الصرحاء توازناً تجلّى في الثقة بالنفس وبالرغبة في التصالح والعيش المشترك مع الآخرين، وفي بناء الأمجاد (مكارم الأخلاق) المشتركة.
هكذا كان جدل الحياة لدى الصرحاء في ظل انتمائهم إلى جماعاتهم الأبوية فكيف كان انتماؤهم في ظل أمومتهم الصريحة؟
2- أمومة الصرحاء
1-الانتساب إلى الأمّهات