وَرِثْنَا المجْدَ عن آباءِ صِدْقٍ ... أَسَأْنا في ديارِهِمُ الصّنيعا
إذا الحَسَبُ الرّفيعُ تواكَلَتْهُ ... بُنَاةُ السُّوءِ أَوْشَكَ أنْ يَضِيعا
ومن تعظيم الآباء أن ينظر الأبناء إلى آبائهم نظرة إعظام تبلغ درجة تقديس قبورهم، وتأليههم وفي ذلك يقول بشر بن أبي خازم يهجو بني لأم الطائيين((1)):
جَعَلْتُمْ قَبْرَ حَارِثَةَ بن لأْمٍ ... إلاهاً تَحْلِفُونَ بهِ فُجُورَا
(1) -ديوان بشر ص91. وكان بعض العرب يقتلون شيوخهم لإراحتهم من أوهان الشيخوخة، فالمَهَرة كانوا إذا (كبر الشيخ فيهم شدّوه عقالا، ثم يقال له: ثِبْ فيه، فإنْ وَثب خلوا سبيله وقالوا: فيه بقية من عُلالةٍ، وإن لم يثب قدّموه فضربوا علاوته (أعلى رأسه وعنقه)، وقالوا لا يصيبك عندنا بلاء). (عيون الأخبار 2/59). وقال التبريزي في شرح بيت مُزَرّد بن ضرار الذبياني:
فقلتُ: تَزَرَّدْها، عُبيدُ، فإنّني ... لِدُرْدِ الشيوخ في السنين مُزَرّدُ
مُزَرّد: مُخنقُ. وكانت العرب في الجاهلية إذا أقحطوا عمدوا إلى الشيخ الكبير فخنقوه وقالوا: يموت ونحن نراه خيرٌ من أن يموت هَزْلا) (شرح اختيارات المفضل 1/364). والإدعاء بأن قتلهم أو خنقهم خير لهم باطل، إنّه تخلّص غير إنساني من شيوخ فقدوا القدرة على إعالة أنفسهم فضلاً عن إعالة غيرهم، ويؤكد ذلك أن التبريزي أضاف: (وكانوا أيضاً إذا رحلوا من مكان إلى مكان، وفيهم شيخ هِمّ، تركوه، حتى يموت مكانه). وأعتقد أن الصرحاء لم يكونوا يفعلون ذلك بآبائهم، ولكن بمن لا عصبة له من العبيد والمستحلقين بالجماعة الأبوية، ويزيد في قوة هذا الاعتقاد أن الأخبار لم ترد بقتل شيخ صريح بيد أبنائه أو أقربائه لأنه أسنّ وضعف جسمه، بل نجد نقيض ذلك، فدريد بن الصمّة -مثلا- شهد مع قومه المشركين غزوة حنين، وهو (شيخ كبير فانٍ، ليس فيه شيء إلاّ التْيَمْنُ برأيه ومعرفته بالحرب، وكان شيخاً مجرّباً) (الأغاني 10/35).