وهَلْ يُنْبِتُ الخَطّيَّ إلاّ وَشيجُهُ ... وتُغْرَسُ إلاّ في مَنَابِتِها النْخْلُ
والصورة الفنية في البيتين السابقين تأتي بياناً لفكرة تعلق الأبناء بالآباء فهم يغرسون النخل في منابتها، ولا يرون إمكانية غرسها في غير الأماكن التي ألفوه فيها. وكذلك حال السلوك الاجتماعي، إنه إرث لا يتحول من أسرة إلى غيرها، وفي ذلك يقول عمرو بن شأس((1)):
عَزَزْنا فَمَا للمجدِ مِنْ مُتَحَوّلٍ ... سوى أهْلِهِ من آخرينَ وَأوَّا
ويقول خُراشة بن عمرو العبسي((2)):
قُرومٌ نَمَتْنا في فُرُوعٍ طَويلةٍ ... بحيثُ امتناعُ المَجدِ أنْ يَتَنَقْلا
ومن لا مجدَ له لا حسب له في قول زهير يمدح هرماً((3)):
لَهُ في الذاهبينَ أُرُومُ صِدْقٍ ... وكانَ لِكُلِّ ذي حَسَبٍ أُرُومُ
وارتبط بمفهوم ثبات المجد، وعدم انتقاله من أسرة إلى أخرى اعتقاد بعض الصرحاء أن خير ما يفعله الإنسان أن يَتْبَعَنَّ أعراقه((4))، وأن أقصى ما يستطيع فعله أن يكون نسخة مأخوذة عن آبائه وأجداده أو تابعاً لهم، وقد صاغ هذا المعنى زهير بن أبي سلمى في قوله يمدح هرماً((5)):
يَطْلُبُ شَأْوَ امرأَيْنِ قَدّمَا حَسَناً ... نالا المُلُوكَ، وبذّا هذه السُّوَقا
هو الجوادُ فإنْ يلحقْ بشَأْوِهما ... على تَكاليفِهِ فَمِثْلُهُ لَحِقَا
أو يَسْبِقاهُ على ما كانَ مِنْ مَهَلٍ ... فَمِثْلُ ما قَدّما من صالحٍ سَبَقَا
وقول زهير خطوة متقدمة قياساً إلى من يعتقد أن الأبناء لا يستطيعون أن يصلوا إلى منزلة الآباء أبداً، فهذا حجر بن خالد الضبعي يقول((6)):
(1) -شعر عمرو بن شأس ص58.
(2) -شرح اختيارات المفضل 3/1634.
(3) -شعر زهير ص148.
(4) -يقول المطلب بن عبد مناف (معجم الشعراء ص435): والخير أن يتبعنَّ المرءُ أعراقَهْ.
(5) -شعر زهير ص70. والشأو: الغاية. والمَهَل: التقدّم.
(6) -شرح ديوان الحماسة ص2/512-513.