وقد عَلِمَتْ عُلْيَا مَعَدِّ بِأنّنا ... على الهَوْلِ أهلُ الراكبِ المُتَغَلْغِلِ
إنّ اعتداد الصريح بآراء جماعته الأبوية دون غيرها، ولا سيما حين تضيق دائرة تلك الجماعة، مظهر انغلاقي، يناقض مشاعر الاهتمام بآراء الآخرين، ويحدّ من مظاهر التواصل معهم، ويعرقل مسيرة وحدة تلك الجماعات الأبوية وتقدمها، ومثل ذلك مظهر التمادي في تعظيم الآباء والأجداد.
وإنّ تمادي الصرحاء في تعظيم آبائهم وأجدادهم عاق فرص تطور الإنسان الجاهلي إذ رسّخ في ذهنه مفاهيم خاطئة، ومن تلك المفاهيم أن السلوك الاجتماعي إرث يتناقله الأبناء عن الآباء والأجداد. إنّ خيراً فخيرُ، وإنْ شرّاً فَشَرُّ؛ فالإنسان ينتمي لأرومة تضعه أو ترفعه، وفي ذلك يقول زهير بن أبي سلمى يرثي هرماً((1)):
يَنْمِي إلى مِيراثِ والدِهِ ... كلُّ امرئٍ لأرَومَةٍ يَنْمِي
فيها مُرَكّبُهُ وَمَحْتِدُهُ ... في اللّؤْمِ أو في الموْضِع الفَخْمِ
وادّعى عامر بن الخُرشب الأنماريّ أن عامر بن الطفيل يحذر حذو والده في الفرار في قوله((2)):
وإنّك يا عامِ ابنَ فارسِ قُرْزُلٍ ... مُعيدٌ عَلَى قِيلِ الخَنَا والهَواجِرِ
ويقول عمرو بن شأس الأسدي((3)):
ومَنْ لا تكُنْ عادِيَّةٌ يُهْتدَى بها ... لوالِدِهِ يُفْخَرْ عليه ويَفْسَلِ
ومن اعتقادهم بتوريث اللؤم والمجد قول زهير بن أبي سلمى في المديح((4)):
إلى مَعْشَر لم يورثِ اللُؤْمَ جَدّهُمْ ... أصاغِرَهُمْ وكلُّ فَحْلٍ له نَجْلُ
وقوله أيضاً((5)):
فما يكُ من خَيْرٍ أَتَوْهُ فإنّما ... تَوارَثَهُ آباءُ آبائِهِمْ قَبْلُ
(1) -شعر زهير ص271. ومركّبه: أصله. وكذلك محتدة.
(2) -شرح اختيارات المفضل 1/178. وقرزل: فرس الطفيل، اشتهر بفرار صاحبه به. ومعيداً: مواظب.
(3) -شعر عمرو بن شأس ص58. وعادِية’: مفخرة قديمة.ويُفْسَل: يصبح رذلاً وجباناً.
(4) -شعر زهير ص29.
(5) -المصدر السابق ص39-40.