ومن الإيغال في التعصب للجماعة الأبوية أن تقرّ نفس الصريح بظلم غيره؛ فالطفيل الغنوي يفخر باجتماع كلمة قومه اجتماعاً يقدرهم على ظلم الآخرين مثلما يقدرهم على درء المظالم عن أنفسهم، يقول الطفيل (1):
ألفيتنا رُمْحاً على الناسِ واحِداً ... فَنَظْلِمُ أو نَأبَى على مَنْ تَظَلّما
ويفخر لبيد بن ربيعة بأنه ينصر ابن عمّه نصراً ينتقل به من وضع المظلوم إلى منزلة الظالم، ويقول((2)):
وَمَوْلىً قد دَفَعْتُ الضَّيْمَ عَنْهُ ... وقد أمْسَى بمنزلَةِ المَضيِمِ
ولعل تجارب الحياة القاسية التي يتكرر فيها الظلم، ويكسب فيها الظالم في ظلّ شريعة السيوف والرماح المتصارعة من أجل البقاء الأفضل، وفي غياب القوة القادرة على فرض حكومتها على تلك السيوف والرماح -هي التي أوحت إلى زهير بن أبي سلمى بقوله((3)):
وَمَنْ لا يذُدْ عن حَوضِهِ بسلاحِهِ ... يُهَدّمْ وَمَنْ لا يَظْلِمِ الناسَ يُظْلَمِ
وجعلت دريد بن الصمّة يقول((4)):
وهَلْ أنا إلاّ من غزيّةَ إنْ غَوَتْ ... غَوَيْتُ وإنْ ترشُدْ غَزِيّةُ أَرْشَدِ
ومن مظاهر ذلك الإيغال في التعصب أن الصرحاء يعتدّون بآراء جماعاتهم الأبوية دون غيرها؛ فالصريح المغالي في التعصب يرى أن معرفة قومه بأفعاله تغنيه عن معرفة الآخرين بها، جثامة بن قيس الكناني((5)):
إذا لاَقَيْتِ قَوْمِي فاسألِيهِمْ ... كَفَى قَوْماً بِصَاحِبِهمْ خَبِيرَا
وكان الصرحاء يعتدون بإشهاد قبيلتهم على مفاخر عشيرتهم كقول عمرو بن شأس الأسدي((6)):
وقد عَلِمَتْ بنو أَسَدٍ بِأنّا ... نُطاعِنُ بالرّماحِ إذا لُقينا
وبإشهاد جذمهم على مفاخر قبيلتهم كقول عمرو بن شأس أيضاً((7)):
(1) -ديوان الطفيل ص112.
(2) -شرح ديوان لبيد ص101.
(3) -شعر زهير ص23.
(4) -ديوان دريد ص47.
(5) -شرح ديوان الحماسة 4/1631. وانظر ديوان دريد ص101.
(6) -شعر عمرو بن شأس ص76. وانظر ديوان طرفة ص67.
(7) -شعر عمرو بن شأس ص58.