وقد أشير آنفاً إلى بعض منافع إدراك الثأر في المجتمع القبلي الأبوي، ولكن المغالاة في التعصب لأبناء النسب الأبوي دفعت إلى الإمعان في القتل طلباً لشفاء النفوس الموتورة فكان أهل القتيل يعرضون عن القاتل أحياناً، ويتوجهون إلى قتل من يرون أنه كفء لقتيلهم. ولكن ذلك لا ينهي الصراع بل يفتح صفحة ثأر جديد؛ فالأعشى تهدد بعض أبناء عمّه، وكان لهم ثأر عند قومه، بقوله((1)):
لئن قَتَلْتُمْ عَمِيداً لم يَكُنْ صَدَداً ... لَنَقْتُلَنْ مِثْلَهُ مِنْكُمْ، فَنَمْتَثِلُ
وفخر دريد بن الصمة بأن قومه قتلوا بأخيه خير لداته، وخير شباب الناس، وذلك في قوله((2)):
فَتَلْنَا بِعَبْدِ اللهِ خيرَ لِدَاتِه ... وخَيرَ شبابِ الناسِ لو ضُمَّ أَجْمَعَا
ذؤابَ بنَ أسماءَ بن زيد بن قاربٍ ... مَنِيَّتُه أجرى إليها وَأوْضَعَا
وكان بعض الصرحاء المغالين في التعصب لا يرون لقتيلهم كفئاً، فقد قتلَ عبدُ الله بن جذل الفِراسيّ الكناني رجلين من سادات بني سُليم وجرح ثالثاً ثأراً لربيعة بن مكدّم، ثم قال لهم((3)):
فصبراً يا سليمُ كما صَبَرْنَا ... وما فيكمْ لواحِدِنا كِفَاءُ
وقتل قوم لبيد بقتيلهم تسعة سادة صرحاء عدا الموالي، وذلك في قوله((4)):
قتلنا تسعة بأبي لُبَيْنَى ... وألحقنا المواليّ بالصَّمِيم
وقتل بنو سليم بعبّاس بن الأصم الرعلي السُّلمِيّ سبعين سيدّاً من خَثْعَم وفي ذلك يقول العباس بن مرداس((5)):
أبلغْ قحافةَ عنّا في ديارهمُ ... والحربُ تَكْشِرُ عنْ نابٍ وأضراسٍ
أنّا قتلْنا بِتَرْجٍ من سَراتِهِمُ ... سَبعينَ مُقتبِلاً صَرْعَى بِعَبَّاسِ
(1) -شرح ديوان الأعشى ص288. وصدداً: مقارباً. ونمتثل: نقتل الأحسنّ والأمثل.
(2) -ديوان دريد ص91، وأوضع: أسرع.
(3) -العقد الفريد 5/175. وانظر مثل ذلك في ديوان زيد الخيل الطائي ص39.
(4) -شرح ديوان لبيد ص292.
(5) -ديوان العباس ص126. وقحافة: حيّ من خثعم. وترج: موضع في ديار خثعم.