إن الإغراق في التعصب للنسب الأبوي ضخم إحساس الصريح بذاته وبجماعته الأبوية، وقادة إلى تضييق دائرة نسب الجماعة التي ينتمي إليها، وإلى وضع حدود فاصلة وحدّية بين جماعته والجماعات الأخرى المحيطة به، فالمغرق في التعصب لا يرى جماعة تستحق التعظيم إلا جماعته الأبوية، ولا يجد في الجماعات الأخرى إلاّ وجوداً إنسانياً أدنى منزلة من جماعته، وقد أدرك ذو الإصبع العدواني هذه الحقيقة في قوله مخاطباً ابن عمّه، وهو مدرك النتائج الخطيرة للتعصب((1)):
أَزْرَى بنا أنّنا شَالتْ نَعَامَتُنا ... فَخَالَني دُونَهُ بَلْ خِلْتُهُ دُوني
وذو الإصبع هو القائل لأبناء عمّه((2)):
ماذا عَلَيّ وإنْ كُنْتُمْ ذَوِي رَحِمي ... ألاّ أُحِبَّكُمُ إنْ لم تُحِبُّوني
لو تَشْرَبُونَ دمي لَمْ يُرْوَ شارِبُكُم ... ولا دماؤكُمُ جَمعاً تُرَوَّيني
فالإغريق في التعصب يُفعِم القلوب بالأحقاد، فيعرض بعض الأقارب عن نصرة بعضِ في الشدائد، وفي ذلك يقول ذو الإصبع مخاطباً أبناء عمّه((3)):
ماذا عَلَيَّ إذا تَدْعُونَنِي فَزَعاً ... ألاّ أُجِيبَكُمُ إذْ لا تُجيبُوني
وقد أعرض الحارث بن وَعْلَة الجَرميّ يوم الكُلاب الثاني عن إنقاذ رجل من بني نهد، وعلّلَ ذلك بوجود حرب ووحشة بين نهد وجرم وذلك في قوله((4)):
يَقولُ لي النّهْدِيّ: هَلْ أنتَ مُرْدِفي؟ ... وكيف رِدافُ الفَلِّ؟ أُمُّكَ عابِرُ
يُذَكِّرُني بالرحْمِ بَيْني وبَيْنَهُ ... وقَدْ كانَ في نَهْدٍ وَجَرْمٍ تَدابُرُ
(1) -ذو الإصبع العدواني، 1973م، ديوان ذي الإصبع العدواني، جمعة وحققه عبد الوهاب محمد علي العدواني ومحمد نائف الديلمي، مطبعة الجمهور، الموصل، ص89. وشالت نعامتنا: تفرّق جمعنا.
(2) -المصدر السابق ص91.
(3) -المصدر السابق ص96.
(4) -شرح اختيارات المفضل 2/779. والفلّ: المنهزم.