فعديّ يرى أن الإنسان يستطيع أن يرقى بنفسه إلى منازل عالية بجدة وجهده، وليس بإرث آبائه وأجداده، وبذلك يُفسَح المجال لكلّ إنسان كي يعمل صالحاً؛ فالعمل الصالح ليس إرثاً ثابتاً، ينتقل من الآباء إلى الأجداد كما تنتقل الأموال من يد إلى أخرى. ولعل إقامة عديّ بالحيرة، وانفتاحه على العالم المحيط به من أسباب تراجع العصبية عنده، وأنه كان يعتمد على ذاته لاعلى عصبته، حتى كاد ديوانه أنّ يخلو من مظاهر الاعتداد بالآباء والأجداد، ومن مظاهر طلب نصرتهم حين أقيم في حبس النعمان ملك الحيرة.
إنّ للمنتمين إلى النسب الأبوي الصريح سلوكاً وفكراً يحققان لهم الحماية والرعاية؛ فهم يتناصرون في مواجهة الأخطار، ويتكافلون في مواجهة مصاعب الحياة، ويمتلكون قيماً توجب التناصر والتكافل، وهي قيم من مكارم الأخلاق، يفخرون بها، ويحرصون على انتقالها من جيل إلى آخر، فيعظّمون من يتمثّلها، ويذمّون من يخرج عليها، ويسعون إلى زيادتها ونمائها، وبذلك قوي ترابط الجماعات الأبوية الصريحة، إذ تشابهت تجارب حيواتها تشابها شدّ بعضها إلى بعضها الآخر بخيوط خفية، غير أنها قادرة على أن تُسهم في توحيد تلك الجماعات. ولكن تلك الخيوط الخفية كانت تصطدم بأوهام المغالين بالتعصّب للجماعة الأبوية، فكيف كان ذلك؟
6-المغالاة في التعصّب
إن المغالاة في التعصب للجماعة الأبوية كانت معلماً نقيضاً للتواصل بين الجماعات الأبوية الصريحة، فالمغالاة قادت أصحابها إلى تضخيم الذات والجماعة على حساب الآخرين، وأدت إلى حروب طاحنة، وظلم كثير، وأوهام تعوق التطور والتقدّم.
لقد كان الفرد الصريح يرى أنّه خير الناس، ومن ذلك قول ربيعة بن مكَدّم الكناني((1)):
أنا ابنُ عبدِ اللهِ محمودُ الشّيَمْ
مُؤْتَمَنُ الغيبِ وَفيٌّ بالذّمَمْ
أَكْرَمُ مَنْ يمشي بساقٍ وَقَدَمْ
(1) -شعر عمرو بن معد يكرب ص172.