وقرن سلامه بن جندل بين الانتساب إلى الآباء الأماجد، والانتساب إلى السلوك الحسن في قوله لصعصعة بن محمود بن عمرو بن مرْثد((1)):
فإنْ يكُ محمودٌ أباكَ فإنّنا ... وَجَدْنَاكَ مَنْسُوباً إلى الخيرِ أروعا
وافتخر الحادرة بحسبه وأصله معاً، فقال((2)):
فِيئي إلَيْكِ فإنّني رَجُلٌ ... لم يُخْزِني حَسبَي ولا أصْلي
واشتهر من شعر عمرو بن معد يكرب قوله((3)):
إنَّ الجمالَ مَعَادنٍ ... ومَنَاقِبٌ أورثْنَ مَجْدا
فهو يعتقد أن جمال الإنسان يكمن في أصوله الزكية، وأفعاله الكريمة معاً، ومثل ذلك قول عامر بن الطفيل((4)):
فإنّي وإنّ كنتُ ابْنَ فارسِ عامرٍ ... وفي السّرِّ منها والصريحِ المُهذْبِ
فما سَوَّدَتني عامِرٌ عَنْ وِراثةٍ ... آبَى الله أنْ أَسْمُو بأمِّ ولا أبِ
ولَكِنْني أَحْمِي حِمَاهَا وأتّقي ... أَذَاها وأَرْمي مِنْ رَمَاها بِمِقْنَبِ
وبذلك يتراءى لنا جانب منير من تفكير الصرحاء، فهم تجاوزوا مفاهيم الوراثة والتقليد إلى مفاهيم الأخذ والتجديد؛ فالإنسان لا يكفيه نسبة ومجده بلّ لا بد له من حسب يحافظ به على أمجاده ويطّورها. ولكنّ عديّ بن زيد العبادي كان أكثر تطوّراً من غيره في تجاوز مفاهيم التعصب المقيت للآباء والأجداد، فهو لم يتورع عن إلقاء اللوم على أبيه لأنّه عجز عن حماية إبله -وليس فيما وقفت عليه من الشعر الجاهلي ما يشبه ذلك، والأهم من ذلك أن عديّاً هو الذي يقول((5)):
وَسَائِسِ أمْرٍ لم يَسُسْهُ أبٌ لَهُ ... ورائِمِ أسْبابِ الذي لم يُعَوَّدِ
ووارثِ مَجْدٍ لم يَنَلْهُ، وماجدٍ ... أصَابَ بِمَجْدٍ طارفٍ غَيْرِ مُتْلَدِ
(1) -ديوان سلامة ص204. الأروع: الذي يعجبك حسنه وشجاعته.
(2) -الحادرة، 1973م، ديوان شعر الحادرة، حققه وعلّق عليه الدكتور ناصر الدين الأسد، دار صادر بيروت، ص82. وفيئي: تباعدي.
(3) -شعر عمرو بن معد يكرب ص63.
(4) -ديوان عامر ص28.
(5) -ديوان عدي ص105-106.