وكانت مكارم الأخلاق أساساً للتفاضل بين أبناء النسب الأبوي الواحد، فحين قدّم الحطيئة آل بغيض على آل الزبرقان مهد لذلك بإدعائه أن بني عوف ليسوا سواء إلاّ أن تكون أخلاقهم سواء((1)).
وكانوا يدفعون عن جماعتهم الأبوية من لا يلتزم بأخلاقها، ومن الشعر الدالّ على ذلك قول الحُصين بن الحمام المرّي يخاطب رجلاً من قومه((2)):
فإنْ كنتَ عنْ أخلاقِ قَومِكَ راغباً ... فَعُذْ بِضُبَيْعٍ أو بِعَوفِ بنِ أصْرَما
وقد قال التبريزي في شرح هذا البيت: (إنْ زهدت في الانتماء إليهم فانتقل عنهم إلى بني ضُبيع أو بني عوف، فالشكل يطلب شكله). والظاهر أن التبريزي يرى أن الانتماء إلى الجماعة الأبوية له جانب سلوكي وفكري يتجلى في تمثّل أخلاق تلك الجماعة، وعبارة (الشكل يطلب شكله) توحي -مثلما يوحي بيت الحُصين- بأنّ لكلّ جماعة سلوكاً معيناً يسمها، ويميزها من غيرها، وأن بعض الجماعات تتشاكل أخلاقياً. ومن الإبعاد عن الجماعة الأبوية بسبب الخروج عن أعرافها إفراد طرفة بن العبد عن قومه بسبب إيغاله في شرب الخمور، وتتبع اللذات، وإتفاق الأموال، وفي ذلك يقول طرفه((3)):
وما زالَ تَشْرابي الخُمورَ وَلذْتي ... وبَيْعِي وإنْفاقي طَريفي ومُتْلَدي
إلى أنْ تَحامَتْني العَشِيرةُ كلُّها ... وأُفْرِدْتُ إفرادَ البَعيرِ المُعَبَّدِ
فطرفة أفرده قومه، وتركوه ولذّاته لأنه خرج على أخلاقهم.
(1) --الحطيئة، 1987م، ديوان الحطيئة، برواية وشرح ابن السكّيت، تحقيق الدكتور نعمان محمد أمين طه، الطبعة الثانية، مكتبة الخانجي، القاهرة. ص82-95.
(2) -شرح اختيارات المفضل 1/121
(3) -التبريزي، 1969، شرح القصائد العشر، تحقيق الدكتور فخر الدين قباوة، المكتبة العربية، حلب، ص120-121.