وينمي رَوَاحَةَ آباؤُه ... إلى كلِّ ذِي غُرَّةٍ أبْلَجِ
واعتزاز الصريح بآبائه وأجداده يتضمن اعتزازه بأعمامه وأبنائهم، فأولئك وأولاء يؤلّفون مجتمعين جماعته الأبوية التي تورثه القيم والمجد. وكان الصرحاء لذلك يصرحون بالفخر بآبائهم وأعمامهم معاً، كقول معاوية بن مالك العامري((1)):
إنّي امرؤٌ من عُصْبَةٍ مَشْهورةٍ ... حُشُدٍ لَهُمْ مَجْدٌ أَشَمُّ تَليدُ
ألْفَوا أباهُمْ سَيّداً وأَعانَهُمْ ... كَرَمٌ وَأعمامٌ لَهُمْ وَجُدودُ
وقول النابغة الجعدي((2)):
وعمّي الذي حامى غَداةَ مَناجِلٍ ... عنِ القوم حتّى فادَ غيرَ ذميمِ
وكانوا لا يجدون حرجاً في تقديم الأعمام على الآباء، مظهرين بذلك عمق ترابط الجماعة الأبوية، وشدة تواصل اللاحقين منها مع السابقين، وشدة تواصل الجماعات الأبوية عبر القيم المشتركة التي يتوارثونها ويعملون بها، ومن ذلك قول عمرو بن هُميل اللحياني((3)):
خُزيمَةُ عَمُّنُا وأبي هُذَيْلٌ ... وكلُّهُمُ إلى عِزٌّ وَلِيتُ
ولقد أدرك بعض الصرحاء العقلاء أهمية رسوخ قيم الأمجاد المتوارثة في بناء مجتمعهم بناء سليماً، فكانوا يذمون من ينبذ تلك القيم ظِهريّا؛ فالأفوه الأودي القحطاني توجه بالهجاء إلى معاشر من قومه لم يسهموا في بناء أمجاد قبيلتهم، بل قادهم الغيّ والجهل إلى إفساد سمعة عشيرتهم، وإلى إضعاف منزلتها، ورأى أنهم نذير شؤم بهلاك قومهم، وذلك في قوله ((4)):
فِيْنا معاشرُ لم يَبْنُوا لقومِهِمُ ... وإنْ بَنَى قومُهمْ ما أَفْسَدُوا عادُوا
لا يَرْشُدُونَ ولنْ يَرْعَوْا لمُرْشِدِهِمْ ... فالغيّ منهمْ معاً والجهْلُ ميعادُ
(1) أشعار العامريين الجاهليين ص55.
(2) -شعر النابغة الجعدي ص237. ومناجل: جمع منجل، اسم جبل، وقد جمعه بما حوليه. وفاد: مات. وانظر مثل ذلك الفخر في ديوان أبي محجن الثقفي ص44، وديوان حسان ص196.
(3) -شرح أشعار الهذليين 2/822. وليت: وليت ذلك منه.
(4) -ديوان الأفوه ص9.