تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ونستطيع بالنظر في الصفحات السابقة أن نلمس تشابه نظرات الشعراء إلى الأمجاد على الرغم من انتمائهم إلى جماعات أبوية مختلفة، وهذا عامل توحيد لتلك الجماعات، فالأخلاق طبقاً لجدل الإنسان ليست (تزيداً غير ذي قيمة بل هي تراث حضاري يكون الأساس الأول الذي يجب أن تستقيم عليه علاقات الناس في المجتمع... إنها تجسيد للحلول التي توصلوا إليها على مدى تاريخهم لتلك المشكلات الدقيقة التي تطرحها علاقتهم كبشر)((1)). إنها مظهر تقدمي يتجاوز في حقيقته الانتماء الأبوي الضيّق إلى رحاب الانتماء القومي الأشمل، وذلك التجاوز لا يلغي الجماعات الأبوية بل يؤكد وجودها بصفتها مجموعات متشابهة تحويها دائرة الأمة الواحدة، وبذلك يكون الفخر بأعضاء الجماعة الأبوية الذين يتمتعون بتلك الأخلاق المشتركة مظهراً تقدمياً مشروطاً بالظروف الزمانية والمكانية التي عاشت فيها تلك الجماعات، ومن ذلك الفخر قول دريد بن الصمة((2)):

ولكِنْني أحْمِي الذّمَارَ وأنْتَمي ... إلى سَعْي آباءٍ نَمَوا شَرَفي قَبْلي

وقول أوس بن حجر((3)):

فلا وإلهي ما غَدَوْتُ بِذِمَّةٍ ... وإنَّ أبي قَبْلي لَغَيْرُ مُذَمَّم

وقول قحافة بن عوف بن الأحوص العامري((4)):

إنّي إذا ما نُسِيَ الحياةُ ... وضاعَ يوم المشهدِ اللواءُ

أنْمِي وقد حُقَّ لي النّماءُ ... إلى ذُكورٍ ذِكْرُها سَناءُ

وإلى جانب فخر الصرحاء بآبائهم نجدمهم يطربون إلى ذكر الآباء الأماجد في المديح، كقول زهير يمدح حصناً((5)):

حُذَيْفَةُ يُنميْهِ وَبَدْرٌ كِلاهُما ... إلى باذِخٍ يَعْلُو عَلَى مَنْ يُطاوِلُهْ

وفي الرثاء أيضاً، كقول حسان يرثي عبد الله بن رواحة((6)):

(1) نظرية الثورة العربية 1/293.

(2) -ديوان دريد بن الصمة ص99. والذمار: الديار، وكلّ ما يجب حمايته.

(3) -ديوان أوس بن حجر ص118.

(4) -أشعار العامريين الجاهليين ص77.

(5) -شعر زهير ص56.

(6) -ديوان حسان ص113.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة * · الصفحة ٧٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة *ص ٧٣