ثم تحدّثت عن السادة والمستضعفين فتبين أن الانتماء إلى طبقة السادة كان متيّسراً لكل فرد من الجماعة الأبوية، إذا امتلك القدرة على قيادة جماعته الأبوية نحو الأفضل، وكان امتلاك بعض السادة قدرات قيادية فائقة سبباً في اتساع نطاق الجهود المطوّرة للحياة السياسية، والاجتماعية، وكانت السيادة مفخرة لأصحابها، وموضع تقدير من المسودين غالباً.
وأما المستضعفون فكان الفقر عاملاً مشتركاً بينهم؛ فقد أدّى تطور العلاقات الاقتصادية في العصر الجاهلي إلى ظهور طبقة الأغنياء في مواجهة طبقة الفقراء التي عانى المنتمون إليها الإحساس بالهوان، وبعجز انتماءهم النسبي -وإن كان صريحاً- عن تأمين مايلزمهم لاستمرار وجودهم الإنساني، فارتضى بعض الفقراء ضعة الاستعطاف والأخذ من الأغنياء، ولكن بعض الفقراء أبوا ذلك، فآثر قلة منهم الموت جوعاً، وأشهر الأباة منهم سيوفهم، فأكلوا بها من أموال البخلاء بخاصة، ومن المستضعفين أيضاً أصحاب المهن والحرف، وتبيّن أن الفقر كان سبباً رئيساً في معاناتهم نظرات الاحتقار من الصرحاء، ولاسيما الأعراب المغالين في التعصب لأنسابهم ولنمط معيشتهم، ولكن ذلك لا يخفي بعض مظاهر التكريم التي حظي بها المهنيون، والتي تدّل على تطورا لمجتمع الجاهلي وتنوع مظاهر الحياة والانتماء فيه، وأمّا الفئة الأكثر ضعفاً في الجاهلية فهم العبيد والإماء، فهم منتمون انتماء قسرياً إلى وضع اجتماعي فيه انتقصت حقوقهم الإنسانية، وبه افتقدوا توازنهم النفسي، وحرموا الحماية والرعاية، واستقرّوا في الهاوية الاجتماعية والاقتصادية مرجومين بأعمالهم المرهقة والمذمومة غالباً. وكانت للأرقاء منافذ للتحرر، ولكنها يسيرة وضيقة، وتدّل على أن الأرقاء، وكذلك بقية المستضعفين، كانوا بحاجة إلى جهود منظمة، وعقيدة جامعة تتمنحهم القدرة على التحرر، وترقى بهم نحو الأفضل.