تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم تبيّن في أثناء الحديث عن الارتحال عن المكان ان الارتحال كان في الغالب تعبيراً عن الارتباط بالمكان المرتحل عنه، وعن الرغبة في زيادة القدرة على دعم الاستقرار في ذلك المكان، وقد أسهم ارتحال الأفراد غالباً في ظهور انتماءات متطورة تجاوزت إطار الانتماء إلى الجماعة الأبوية وإلى منازلها الخاصة، فاتسعت بذلك دائرة علاقات الإنسان الجاهلي شمولاً، وأصبح وطنه يشمل كل مكان يجد فيه رزقاً وعيشاً كريماً، وكذلك أسهم ارتحال الجماعات في ارتياد أماكن جديدة بالسلم تارة وبالحرب أخرى، فازداد انتماء الجاهليين إلى المكان وإلى سكانه شمولاً وأضحت الجزيرة العربية بحدودها الطبيعية مأهولة بالعرب، ومهيأة لتكون وطناً يتوحّدون فوق ترابه، وينتمون إليه، وتبيّن كذلك أن تنّوع المكان العربي أفضى إلى تنوع قيم السكان المنتمين إليه، واختلاف تفكيرهم.

ثم تبين أثر الانتماء المكاني في وجود مدّيين وعقليّتين، فسكان البوادي يتمايزون من سكان القرى والأرياف، ولكنّ ذلك لا يلغي وحدتهم الانتمائية، بل يؤكدها، ويدلّ على الحركة النشطة في المجتمع الجاهلي، وهو ينتقل من طور الأعراب المرتحلين إلى طور العرب المستقرّين.

وفي الفصل الرابع (الانتماء الاجتماعي والسياسي) تحدّثت عن طبقتي الملوك والسوقة، فحدّدت معالم المنتمين إلى كلّ منها، وجدل العلاقة بينهما، وتبيّن في أثناء ذلك سعي الملوك والسوقة بأساليب مختلفة إلى تجاوز معوقات التطور، فنجحوا تارة، وأخفقوا أخرى، وكان نجاحهم توسيعاً لدوائر الانتماء الصريح؛ فطاعة السوقة للملوك لا تلغي الانتماء النسبي، ولكنه تحدّ من غلوائه، وتمنح الصرحاء حين يعدل ملوكهم فرص تطوّر لا تتحقّق في ظل الانتماءات النسبية المغلقة والمتصارعة.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة * · الصفحة ٥٩٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة *ص ٥٩٧