تبيّن في هذه الدراسة أن العرب الجاهليين قد عشاوا في مرحلة الانتقال من نظام التشرذم القبلي إلى نظام دولة مركزية توحدّهم وترقى بهم نحو الأفضل، فبهم، وعلى أرضهم، وبلغتهم بدأت إرهاصات التكوين القومي للأمة العربية، وقد دلّ شعرهم على تلك الإرهاصات، وعلى أن حياتهم ليست حياة رتيبة لشراذم من البشر يستغرقهم البحث عن الطعام والشراب، ويستهويهم الغزو والارتحال، ففي ذلك الشعر مايدل على أنهم جماعات إنسانية بلغت منزلة من التطور يسمح لها بأن تنشد التحرر بالانتقال من أَسْر القبيلة إلى رحاب الأمة، ومن الانتماء النسبي، والقبلي إلى الانتماء العربي.
وقَدْ مهّدتُ لدراسة (الانتماء في الشعر الجاهلي) ببيان المراد بالانتماء فرأيت أنه ظاهر إنسانية فطرية تربط بين مجموعة من الناس المتقاربين والمحدّدين زماناً ومكاناً بعلاقات تشعرهم بوحدتهم وبتمايزهم تمايزاً يمنحهم حقوقاً، ويحتّم عليهم واجبات، وهو متطّور بالإرادة الإنسانية الباحثة عن الأفضل تطوّراً ينوّع ويوسّع ويربط دوائره بالحذف والإضافة وليس بالإلغاء ولا الخلق الجديد. وأتبعت ذلك بالحديث عن الانتماء في العرف الجاهلي، فأشرت إلى أن الحديث عن الانتماء عند الجاهليين ليس إنطاقاً لأوابد بما ليس فيها، ولكنه كشف عن ظواهر إنسانية لها وجود محقّق، وقد وجدت في معاني لفظةٌ (الانتماء) وفي جذرها الثلاثي، وفي الألفاظ التي تشترك معها في ذلك الجذر مايدل على إدراك الجاهليين لكثير من المعاني التي تفيء تحت ظلال ظاهرة الانتماء.