إنّ الوحدة السياسية هي المصير المشترك للجاهليين؛ فبها تتحقَق مصالحهم إذ يرتقون من عصر التشرذم القبلي إلى عصر العروبة الموحدة، وكانت تفاعلات الإنسان الجاهلي فوق أرضه، ومع الأمم المجاورة تسير به من التشرذم إلى التوحد؛ فقد وُجدت تجمّعات قبلية كبيرة، ووُجد الانقسام والتوحّد وفق أسس غير نسبية، فظهرت الانتماءات المكانية والسياسية والاجتماعية والدينية، وقد دَلّت التجمّعات والانتماءات على تقارب الجاهليين، وقد لمس كثير منهم أهمية التقارب في تحقّق ظروف أفضل للتحرّر من عوائق التطور، وكانت الفئة الأكثر وعياً بين الجاهليين تطمح إلى تقارب أكثر شمولاً، ولكنها عجزت عن تحقيق طموحها لافتقارها إلى الرؤية العميقة الموصلة إلى ذلك، ولافتقارها أيضاً إلى القيادة السياسية القادرة على صنع القرارات العظيمة التي تصل بالجاهليين إلى إقامة وحدة عربية سياسية تمثل التقارب الأكثر شمولاً، وهو المصير الذي يجب على العرب أن يعملوا من أجله كي يمتلكوا الظروف الأكثر ملاءمة لتطورهم وتقدمهم.
لقد تهيأت الظروف الموضوعية التي تستلزم ذلك المصير (الوحدة العربية) من أجل مزيد من حرية العرب وتطورهم، ثم تحقق استغلال تلك الظروف على خير وجه بالإسلام؛ فهو إلى جانب كونه ديناً سماوياً صالحاً لكل زمان ومكان، ثورة عربية، قطعت استمرارية الظروف، فقدّمت للعرب رؤية عميقة وشاملة لواقعهم، تَمَّمت مكارم أخلاقهم، وسعت إلى تحريرهم من مساوئها، فآمن أكثر العرب به، والتفّوا حول دولته (المصير المشترك)، فاكتمل بالإسلام وجود العرب القومي، فخرجوا إلى العالم يحملون انتماءً قومياً متميّزاً برسالة خالدة هي رسالة الإسلام التي أكسبتهم انتماء جديداً متطوّراً، آمُلُ أن أعود إلى الحديث عنه في دراسة قادمة إن شاء اللّه.
الخاتمة