لقد عَرَف الجاهليون وجودهم الإنسانيّ المتميّز، فامتلكوا الإحساس بالانتماء العربي، وكان اختلاف درجات وعيهم بذلك الانتماء دليلاً على وجود تفاوت في درجات تطورهم، ولكن هذا التفاوت لا يلغي وحدة ذلك الوجود المتميز، فهو تفاوت من قبيل التَّعَدّدية الممكنة في المجتمع الواحد.
وكان الوجود العربي الجاهلي يحمل إرهاصات وحدة سياسية تحميه من العدوان الخارجي، وتحقق العدل بين أبنائه، ولكن عوائق كثيرة حالت دون ذلك، وأهمها التعصبُ للنسب، والعدوانُ الخارجي، وعجزُ الطبقة الملكية العربية لأنها تفتقر إلى العقيدة الموحّدة، وإلى مُقَوّمات القيادة السياسية الموحدّة التي تستشرف المستقبل الأفضل، وتَسَعَى إليه، وإذا كانت الأمة طبقاً لجدل الإنسان هي (مجموعة من الناس تجمعهم وحدة اللغة ووحدة الأرض ووحدة التاريخ ووحدة المصير)(1)، فإن عرب الجاهليية كانوا أمة، وإن لم تكن لهم دولة سياسية توحدّهم؛ فعرب الجاهلية تجمعهم وحدة اللغة ووحدة الأرض ووحدة التاريخ ووحدة المصير.
ولقد عرفنا في أثناء هذه الدراسة تلك الوحدات بجلاء عدا وحدة المصير، فما المصير الذي ينتظر الجاهليين؟
***
(1) نظرية الثورة العربي 2/47