تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وافتخار الشاعر على وُلد آدم لا يلغي الاعتقاد بانتساب الناس كلهم إلى آدم؛ وهم بذلك متساوون في الأصل، ومتفاضلون بضفات لا تلغي ذلك الأصل، وبذلك يَتَأكّد وجود بذور للتسامح الإنساني عند الجاهليين؛ فانتماؤهم العربي لم يحجب عن أعينهم أنهم جزء من الوجود الإنسانيّ الأشمل.

***

وهكذا نجد أن القبائل العربية امتلكت في أثناء حياتها الطويلة لغة خاصة؛ وأرضاً خاصة، ولها حدود، بعضها واضحة المعالم، وبعضها تتحدّد بالصراع مع الأمم المجاورة، ولاسيما الفرس، وقد امتلكت تلك القبائل تاريخاً مشتركاً غنيّاً بالتفاعلات الإنسانية المختلفة، وهي تفاعلات توجَّهت بحياة الجاهليين من الانقسامات إلى الوحدة بالانتماء العربي، وهو انتماء يشمل ولا يلغي انتماءات الجاهليين النسبية والمكانية والسياسية والاجتماعية والدينية.

لقد صنع الجاهليون وجودُاً عربياً موضوعياً متمّيزاً، وكان ذلك الوجود مُدْركاً من قبل كثرة من أبنائه، ومن الإعاجم أيضاً، وساعد تفاعل العرب مع الأمم المحيطة بهم على إدراك ذلك التمايز، وعلى تطور الحياة العربية، وكان موقف العرب من الصراع مع الأعاجم دليلاً على تفاوت الوعي بالانتماء العربي لدى العرب، فثمة فئة تحدّث بوحي من وعيها لانتمائها العربي العدوان الخارجي، وحاربته، في مقابل فئة، وهي الأقل هادنت العدوان الخارجي على العرب، وتعاونت مع رموزه، مؤثرة لقلة وعيها مصالحها العامة للعرب، ولكن ذلك لا يلغي الانتماء العربي لهذه الفئة، فانتماؤها العربي له وجود موضوعي، وإن كان غير مدرك عندها.

وكان الانتماء إلى العرب يحمل بذور التسامح والرضا بالتعايش مع الأمم الأخرى، وكان بعيداً عن التعصب على تلك الأمم إلا ماكان تعصبّاً على العدوان الخارجي، أو تعصّباً على وضع اجتماعي وهو تعصب محكوم بالظرف التاريخي الذي عاش فيه الجاهلييون.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة * · الصفحة ٥٩١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة *ص ٥٩١