وإذا أردنا تتبع مظاهر تواصل العرب مع الأعاجم فسوف نقف على مؤثرات أخرى(1)، تضاف إلى ماقيل آنفاً عن تأثر العرب بالأعاجم، وبذلك يزداد التأكيد أن عرب الجاهلية كانوا يرفضون الأخذ عن الأعاجم، ولا يأنفون من التأثر بهم، وإذا أضفنا إلى ذلك الانتماء إلى العرب كان مُيَسّراً للهجناء وللمقرفين، وللأعاجم الذين يعيشون مع العرب، ويتخَلّقون بأخلاقهم، ويتحدّثون بلغتهم(2)، فسوف يسهل عليناالقول بأن الانتماء العربي لم يكن انتماء مغلقاً ولا متعصباً للذات تعصّباً مطلقاً، بل تعصباً مقيداً بأوضاعٍ سياسية واجتماعية كتعصب العرب للتحرر من الاحتلال الأعجمي، وتعصب العرب على الأعاجم الذين يقوومون بالأعمال الوضعية عند أسيادهم العرب. وإضافة إلى ماسبق نجد في الشعر الجاهلي مايدل على أن العربي كان يدرك أن الناس مشتركون في أمور يستوي فيها العرب والأعاجم، ومن ذلك الشعر قول عنترة(3):
أنا الهجينُ عنترهْ
كلّ امرئٍ يحمي حِرَهْ
أَسْوَدَهُ وأحْمَرَهْ
فالناس، سواء أكانوا عرباً أم أعاجم، يدافعون عن أعراضهم، ويحافظون على حماهم.
والناس كذلك مشتركون في الأرض التي يعيشون عليها، فهي بلاد الله، التي خلقت ليسكن فيها السهل والجبل(4)، والناس أصلهم واحد، فهم أبناء آدم، يقول أفنون التغلبي مفاخراً قومه(5):
قدْ كنتُ أَسِبقُ مَنْ جَارَوْا على مَهَل ... مِنْ وُلْدِ آدمَ مالم يَخْلَعُوا رَسَنِي
ٍ
(1) انظر بعضها في شرح اختيارات المفضل 3/1217-1218، والمعاني الكبير 1/461، وتيارات ثقافية ص 32-36، 41-42، 61-78، ودراسات في الأدب العربي ص 299، 302.
(2) انظر هذه الدراسة ص 168-171-178،
(3) شرح ديوان عنترة ص 72
(4) انظر ديوان شعر حاتم ص 270
(5) شرح اختيارات المفضل 3/1161، ومالم يخلعوا رسلي: مالم يرغبوا عنّي، وانظر مثل ذلك فيه 1/274، وفي ديوان امرئ القيس ص 98، وديوان عدي ص 66.