تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد رفض العرب الجاهليون الاحتلال لأنه يعوق تطورهم وأدركوا أن لهم وجوداً متميّزاً، ولكنهم لم يرفضوا الصلات مع الأجانب مادمت تساعد على تأمين سبل أفضل لمعاشهم وتطورهم، ولعل وفادة الأجانب إلى الأرض العربية للتجارة أفضل دليل على ذلك، فقد وفد تجار أجانب إلى بلاد العرب، وهم آمنون على أموالهم وأنفسهم، فالأخبار والأشعار الجاهلية لا تشير إلى نهب أو قتل للتجار الأجانب بل تشير إلى تجارتهم الآمنة، وإلى حرص العرب على إرضائهم(1)، وفي مقابل ذلك كان العرب يفدون بتجارتهم إلى مناطق النفوذ الأجنبي، وهم آمنون(2).

ومن إسهامات تواصل العرب مع الأعاجم في التطوّر العربي أن اللغة العربية، على الرغم من تعصب العرب للغتهم، قد دخلتها ألفاظ أعجمية، فَعُرّبت وأضحت من صميم لغة العرب، وبذلك ازدادت اللغة العربية غنىً، فازدادت العرب على التعبير عن أفكارهم ومشاعرهم، ويدل على ذلك كثرة الألفاظ الأعجمية المعربة في الشعر الجاهلي، ولاسيما الألفاظ الفارسية(3)، وكذلك أسهم تواصل العرب مع الأعاجم في اتساع معارف العرب، وتنمية مقدرتهم الفنية في التصوير الفني كقول طرفة مشبهاً ناقته لانتفاخ جوفها، وشدة خلقها بقنطرة الرومي(4):

كَقَنْطَرَةِ الرُّومِيِّ، أَقْسَمَ رَبُّها ... لَتُكْنَفَنْ، حَتّى تُشَادَ بِقَرْمَدِ

(1) انظر بعض الأشعار الدالة على ذلك في ديوان عبيد ص 128، شرح ديوان الأعشى ص 122-123، وشرح أشعار الهذليين 2/1268، وشرح اختيارات المفضل 2/975-976، 3/1679- 1680، وشعر النابغة الجعدي ص 44، 64.

(2) انظر بعض الأشعار الدالة على ذلك في ديوان أبي محجن ص 45-46، وشرح أشعار الهذليين 1/93-97.

(3) انظر للتأثر بلغة الفرس تيارات ثقافية ص 49-57، وللتأثر بغير لغة الفرس، ديوان امرئ القيس ص 65، وديوان شعرالمتلمس ص 187.

(4) ديوان طرفة ص 18، والقرمد: الآجر، واحدته قَرْمَدة، وانظر مايشبه ذلك في شرح ديوان الأعشى ص 24،298.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة * · الصفحة ٥٨٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة *ص ٥٨٨