وقد دل مديح بعض العرب للفرس على ان الانتماء العربي يرتضي الانفتاح على الأمم، وقبول المعونة من الأجنبي مادام في ذلك تمكين للعرب من التحرر والتطور، وكذلك دل عداء العرب للفرس على أن الانتماء العربي يدفع أبناءه إلى رفض الاحتلال والتسلط، ومحاربة الأجنبي مادام يعوق تحرر العرب وتطورهم، ولعلّ ذلك من أسباب إدانة الأعشى للوجود الفارسي في اليمن حين اتضح أن العرب استبدلوا باحتلال الأحباش احتلالاً آخر يعوق تقدمهم، ونلحظ تلك الإدانة في قول الأعشى يصف خراب قصر ريمان(1):
بَكَرَتْ عليهِ الفُرْسُ بَعْـ ... ــدّ الحُبْشِ حَتَّى هُدَّ بابُهْ
فتراهُ مَهْدومَ الأعا ... لِي وَهْوَ مَسْحُولٌ تُرابُهْ
ولقد أراهُ بِغَبْطَةٍ ... في العَيْشِ مُخْضرّاً جَنَابُهْ
فَخَوَى ومامِنْ ذي شبا ... بٍ دائمٌ أبداً شَبَابُهْ
فالأعشى يأسى لخراب قصر ريمان، ويرى أن قوتين تعاورتا على تخريبه، وإزالة الغبطة عن أهله،وهما قوتا احتلال، فعلهماتخريب يعوق التطور، ويدمر الصروح الحضارية العربية في اليمن.ويبعد البسمة عن نفوس أهله، ولكن موقف الأعشى وأمثاله لا ينفي رغبة العربي الجاهلي في التواصل مع الحضارات المجاورة لوجوده الإنساني، وفي التأثر بها.
***
5- انفتاح وتأثّر:
(1) شرح ديوان الأعشى ص64 وجنابه: فناؤه، ونواحيه. وخوى: سقط وتهدم.