تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن المثير في هذه القصيدة أنها تضمنت إضافة إلى مديح سيفٍ مديحاً للفرس، وإدانة للفرس، وقد حكم د.عبد الحفيظ السطلي بأن تلك القصيدة شعوبية منحولة، لأسباب منها قلّةُ الإشادة بسيف، وكثرةُ الإشادة بالفرس، وإدانة الروم أعداء الفرسِ، ونصُّ بعض النقاد على أنّ بعضها أو كلّها مصنوع(1).

وأرى أن القصيدة لأمية؛ فعشرات المصادر القديمة تنصّ على ذلك، ومديح أمية للفرس وإدانة للروم لا يكفيان للقول بأن القصيدة من صنع الشعوبية، وقد يكون في القصيدة أبيات مضافة للتزيد في الإشادة بالفرس، ولكن ذلك لاينفي وجود الإشادة في الأصل، فإذا حُذفت بعض الأبيات التي تشيد بالفرس فسوف نلحظ توازناً في الكّم بين مديح الشاعر لسيف، ومديحه للفرس.

وأما أن ننكر مديح أمية للفرس وإدانته للروم والأحباش فأمر لا يؤيده النظر العميق في القصيدة، وفي دواعي إنشادها؛ لقد قدّم الفرس لسيف دعماً عسكرياً أحجم عن مثله الروم، وبفضل ذلك الدّعم حقّق عرب اليمن النصر على الأحباش، وكان من المنطقي أن يشيد أمية بمن قدّم الدعم لسيف، وكان طبيعياً أيضاً أن تأتي الإشادة بسيف وبالفرس من شاعرمثل أمية لأنه من الطائف قرب مكة، ولأن صلاته بمكة وثيقة، فهو من الذين استشعروا أكثر من غيرهم خطر الأحباش، ونصرائهم الروم على الوطن ومقدساته، فأهالي مكة والطائف لم يعانوا ظلم الفرس بل عانوا محاولات رومية وحبشية للسيطرة عليهم، فكان منطقياً أن يتوجهوا بالعداء إليهم لا إلى الفرس الذين أعانوهم على التحرر من الأحباش، فكانت قصيدة أمية تعبيراً عن الفرحة بالانتصار على المحتّل الأجنبي، وإشادة بأجنبي قدّم العون، ولَمَّا تظهر مظالمه بعد في اليمن، فالعامل المكاني كان سبباً في موقف أمية، ولعلّ هذا العامل هو السبب في إعراض شعراء شرقي الجزيرة العربية، وشمالها عن الاحتفال بنصر سيف بمساعدة الفرس لأنهم كانوا يعانون استغلال الفرس وظلمهم.

(1) انظر ديوان أمية ص 141-143-223-226

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة * · الصفحة ٥٨٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة *ص ٥٨٤