تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن وفادة معقل على الأحباش ليست عمالة، فدافعها انتماء عربي، دعاه إلى السعي من أجل فكاك أسرى من قبائل عربية مختلفة، ويؤكد شعوره بذلك الانتماء وعداءه للأحباش أنّه رفض الإقامة عندهم والزواج منهم.

ولكن أهالي اليمن لم يستسلموا لظلم الاحتلال، فانقضوا على رموزه الظالمة(1)، غير أن قدراتهم المتاحة كانت عاجزة عن إخراج الأحباش، فتطلّعت القلوب الثائرة إلى العون الخارجي، وكان رأس تلك القلوب سيف بن ذي يزن، فقد وفد على قيصر يطلب عونه، فأبى قيصر ذلك، وقال له:(الحبشة على ديني، ودين أهل مملكتي، وأنتم على دين يهود)(2)، ومن الجلي أن وفادة سيف على قيصر تدل على جهل بحقيقة العلاقة بين الروم والأحباش، ولعل سيفاً أدرك بعد إخفاقه عند قيصر أن العون ممكن عند أعدائهم، فاتجه إلى النعمان بن المنذر، وشكا إليه أمر الأحباش، فأوصل النعمان سيفاً إلى كسرى، وذلك موقف يضاف إلى صفحات النعمان الدالة على رغبته في تقوية العرب، واصطناعهم.

(1) انظر قتلهم لعتودة الحبشي في تاريخ الطبري 2/130 وقد كثرت مظالم الأحباش بعد موت أبرهة (انظر تاريخ الطبري 2/139).

(2) الأغاني 17/ 309، ولم يكن أهالي اليمن يهوداً بل قلّة منهم، وكان سيف نفسه من الحنفاء، وثمة وفادة عربية جاهلية أخرى على قيصر، فقد اشتهرت وفادة امرئ القيس الكندي على قيصر ليساعده في الانتقام من بين أسد، وليستعيد ملك كندة على عرب الشمال وقد أخفقت تلك الوفادة (انظر شعر امرئ القيس الدالّ على ذلك في ديوانه ص 65-69، 107-108، 339، 349، 357) ومن الجليّ أن لوفادة سيف هدفاً سامياً نفتقده في وفادة امرئ القيس التي تهدف إلى إدخل الروم إلى وسط الجزيرة العربية للبطش ببعض العرب من أجل الانتقام لمقتل والد امرئ القيس، ومن أجل إقامة مملكة كندة من جديد، وهي مملكة أسقطتها سيوف المظلومين من عرب الشمال.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة * · الصفحة ٥٨١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة *ص ٥٨١