وهكذا أصبح جيش أبرهة في المُغَمَّس، يَتَهَّيأ لا حتلال مكة، وهدم كعبتها، بعد أن عجزت جهود العرب المبعثرة عن صدّه، وكانت آخر كلمة مقاومة للأحباش هي قول عبد المطلب لأبرهة:
(إنّ للبيت رَبَّاً سيمنعه، قال ماكان ليُمْنَع منّي، قال أنت وذاك)(1). ولكن أبرهة عاد ذليلاً مقهوراً، وقصّ علينا سبحانه وتعالى خبر جيشه في قوله: (ألم تَرَ كيفَ فعل ربُّكَ بأصحابِ الفيل* ألم يجعلْ كيدهمْ في تضليل* وأرسل عليهم طيراً أبابيل* ترميم بحجارة من سِجّيل* فَجَعَلَهم كعصفٍ مأكول)(2).
وكان للشعر الجاهلي صوت في ذلك الصراع، فعبد المطلب أخذ بحلقة باب الكعبة، وقال قبل هزيمة أبرهة(3):
ياربَّ لا أرجو لَهمْ سِواكا ... ياربِّ فامنعْ مِنْهُمُ حِمَاكَا
إنَّ عَدُوَّ البيتِ مَنْ عاداكا ... امْنَعْهُمُ أنْ يُخْرِبُوا قُراكا
وقال أيضاً من أبيات يناجي فيها ربَّهُ(4):
لا يَغْلُبَنَّ صَليبُهُمْ ... وَمِحالُهُمْ غَدْواً محالك
ومن الأشعار المقاومة للأحباش أبيات لعكرمة بن عامر العبدري، دعا فيها الله ليخزي الأسود بن مقصود الذي استاق تهامة، وفيها مائتا بعير لعبد المطلب، وكان من قادة جند أبرهة(5).
وحين هزم الأحباش راحو يسألون عن نفيل بن حبيب الخثعمي ليدلهم على الطريق إلى اليمن، فقال من أبيات له(6):
وَكُلُّهُمُ يُسائِلُ عن نُفَيْلٍ ... كَأَنَّ عَلَيَّ للحُبْشانِ دَيْنا
وماكانت دلالَتُهُمْ بِزَينٍ ... ولكنْ كانَ ذاك عَلَيَّ شَيْنا
(1) المصدر السابق 2/134
(2) سورة الفيل.
(3) تاريخ الطبري 2/134
(4) المصدر السابق 2/135
(5) انظر شعره في سيرة ابن هشام 1/45-46، وانظر خبر الأسود في تاريخ الطبري 2/132-133/ وسيرة ابن هشام 1/43.
(6) العقد الفريد 3/289، ولمزيد من الأشعار في غزو أبرهة لمكة انظر سيرة ابن هشام 1/50-53.