تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وحين وصل أبرهة إلى الطائف لقيه مسعود بن معتب في رجال من ثقيف، وقالوا له:(أيها الملك، إنما نحن عبيدك، سامعون لك، مطيعون، ليس عندنا لك خلاف، وليس بيتناهذا الذي تريد -يعنون اللات- إنما تريد البيت الذي بمكّة، ونحن نبعث معك من يدلّك عليه، فتجاوز عنهم.... فبعثوا معه أبا رغال، يدلّه علىالطريق إلى مكّة، فخرج أبرهة، ومعه أبو رغال حَتّى أنزله المُغَمَّس، فلما أنزل به، مات أبو رغال هناك، فرجمت قبره العرب(1)، وما رَجْمُ العرب لذلك القبر إلا تعبير عن السخط على المتعاملين مع العدو، والمتخاذلين أمامه، فرجْم أبي رغال هو رجْم لكل عربيّ سار في جيش أبرهة، وهو راضٍ عن هدم البيت، واحتلال الأحباش للأرض العربية)(2).

ثم كانت محاولة ثالثة لصدّ أبرهة عن وجهته: فقد روي أن سيد قريش، عبد المطلب بن هاشم قدم إلى أبرهة ومعه سيّد بني كنانة، نُفاثة بن عديّ، وسيّد هُذيل، خُويلد بن وائلة، فعرضوا على أبرهة ثلث أموال تهامة، على أن يرجع عنهم، ولا يهدم البيت، فأبى عليهم ذلك(3).

لقد استنفد العرب جهودهم لصدّ الأحباش، وهي جهود افتقرت إلى الوحدة فلم تنجح، ولكنها عظيمة الدلالة على تنامي الوعي بالانتماء العربي، وعلى تفاوت العرب في وعي ذلك الانتماء، فالعرب الأكثر وعياً قاوموا الأحباش، والأقل وعياً آثروا السلامة، ومنهم فئة قدّمت العون للعدو مؤثرة مصالحها الخاصة أو سلامتها القبلية على المصلحة العامة للعرب كلهم، فاستحقت الرجم واللعن إلى يوم الدين.

(1) سيرة ابن هشام 1/42

(2) كان في جيش الأحباش كثير من العرب المكرهين على السير معه لأنهم رهائن، فالأحباش في أثناء مسيرهم إلى مكة (جعلوا لا يمرون على حيّ من العرب إلا أخذوا منهم ناساً)، (انظر شرح أشعار الهذليين 1/389).

(3) انظر تاريخ الطبري 2/134

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة * · الصفحة ٥٧٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة *ص ٥٧٨