تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أَبَعْدَ يَبْنُونَ لا عَيْنٌ ولا أَثَرٌ ... وَبَعْدَ سِلْحينَ بَيْني الناسُ أبياتاً

وقال أيضاً مظهراً الأسى لخراب حصن غُمْدان، ومشيراً إلى استماتة ذي نواس، وتحذيره لقومه من شدة الاحتلال(1):

وغُمْدان الذي حُدِّثَتِ عَنْهُ ... بَنُوه مُسَمَّكاً في رَأسِ نِيقِ

فأَصْبَحَ بَعْدَ جِدَّتِهِ رَماداً ... وغَيَّرَ حُسْنَه لَهَبُ الحريقِ

وَأَسْلَمَ ذو نُواسٍ مُسْتكيناً ... وَحَذَّر قَوْمَهُ ضَنْكَ المَضِيْقِ

ومن الحجازِ ارتفع صوت عبد الله بن الذئبة الثقفي يذكر ما أصاب حمير على يد الأحباش(2):

لَعَمْرُكَ ما لِلفَتَى مِنْ مَفَرّْ ... مع الموتِ يَلْحَقه والكِبَرْ

لَعَمْرُكَ ما لِلفَتَى صُحْرَةٌ ... لَعَمْرُكَ ما إنْ لَهُ مِنْ وَزَرْ

أَبَعْدَ قبائِلَ مِنْ حِمْيَرٍ ... أُتُوا ذا صَبَاحٍ بذَاتِ العَبَرْ

بِألفِ أُلُوفٍ وحَرَّابَةٍ ... كَمِثْلِ السَّماءِ قُبَيْلَ المَطَرْ

يُصِمُّ صياحُهُمُ المُقْربَات ... وَيَنْفُونَ مَنْ قاتلوا بالزُّمَرْ

إن هذا الشعر، وإن لم يذكر الأحباش صراحة، يدلّ على اهتمام عرب الشمال بأحوال عرب اليمن، وعلى تضامنهم معهم ضد الأحباش.

كانت صدمة العرب بالاحتلال الحبشي عظيمة، ثم تراءت لهم أطماع الأحباش المتزايدة في السيطرة، فأطماعهم لا تقف عند اليمن بل تتعداها إلى الحجاز، وإلى مكة مهوى الأفئدة العربية، وحينئذٍ أدرك العرب عظمة الخطب وشدة الهول، فكان التحدي العربي للأحباش، وكان التضامن العربي من أجل القضاء عليه.

(1) سيرة ابن هشام 1/33-34 والمسّمك: المرتفع، والنيق: أعلى الجبل، وروي في تاريخ الطبري 2/126، (وأسلم ذو نواس مستميتاً) وهذه الرواية أكثر دلالة على شدّة المقاومة للأحباش من رواية ابن هشام.

(2) تاريخ الطبري 2/126-127، والصحرة: المتسع، والوزر: الملجأ. وذات العبر: الحزن، والحرّابة: أصحاب الحِراب، وكان الأحباش مشهورين باستخدام الحراب في القتال.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة * · الصفحة ٥٧٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة *ص ٥٧٥