بنى أبرهة الحبشي كنيسة القُلَّيْس بصنعاء، فكانت آية في الصنعة والإتقان، وقد استعان لبنائها بقيصر الروم، فأمده بالصناع والفسيفساء والرخام، ثم كتب أبرهة إلى النجاشي، فأخبره بأنه بنى تلك الكنيسة، وبأنه سيصرف إليها حاج العرب(1)، ومن الجلّي أن أبرهة أراد بذلك أن يصرف العرب عن كتبهم المقدسة، ورمز وحدتهم إلى كنيسته رمز النفوذ الأجنبي في بلاد العرب، وبذلك يمكّن الروم والأحباش من إحكام سيطرتهم على العرب، فالانصراف عن الكعبة إلى القُلّيس هو انصراف العروبة والاستقلال إلى التبعية والاستعباد.
وكان الردّ العربي على سياسة أبرهة عفوياً، ومن الحجاز، فقد انطلق إلى اليمن رجل من بني كنانة، فأَتَى القُلّيس، وأحدث فيها، ثم لحق بأرضه، وحين سأل أبرهة عَمَن فعل ذلك في القُلّيس، قيل له: (صنع هذا رجل من العرب، من أهل البيت الذي تحجّ العرب إليه بمكّة، لمَّا سمع قولك: أصرف إليها حَجّ العرب غضب، فجاء، فقعد فيها، أي أنها..... ليست لذلك بأهل)(2)فغضب أبرهة، وحلف ليسيرن إلى البيت حتى يهدمه، وقد مَهَد لذلك بأن تَوّج محمد بن خُزاعيّ السُّلمي، وأمَّرَهُ على مضر، ثم أَمَرَه أن يسير في الناس يدعوهم إلى حجّ القُلّيس، فسار، حتى إذا نزل ببعض أرض كنانة -وقد بلغ أهل تهامة أمرُه، وما جاء له -بعثوا إليه رجلاً من هذيل، فرماه بسهم فقتله(3)، فأضيف بذلك دليلٌ آخر على وجود الانتماء العربي، وعلى أهميته في محاربة الأجانب وعملائهم من العرب.
(1) انظر المصدر السابق 2/130-131، وسميت تلك الكنيسة (القُلَّيس) لارتفاع بنائها.
(2) سيرة ابن هشام 1/40، وفعل مثل نُفيل الخثعمي (انظر تاريخ الطبري 2/137-138).
(3) انظر تاريخ الطبري 2/131، وكان رجال من العرب منهم محمد بن خزاعيّ عند أبرهة، يلتمسون فضله!