وأما الأحباش فقد احتلوا اليمن بمساعدة الروم، فأذّلوا شعبه، وهو شعب عريق ماعرف الاحتلال من قبلُ، فكان وقع الاحتلال عظيماً عليه وعلى كثير من العرب، وكانت حادثة الأخدود هي الشرارة التي أشعلت الصراع بين العرب والأحباش؛ فقد قَتَلَ ذو نواس الحميريُّ اليهودي نصارى نجران، لاعتقاده أنهم عملاء للروم، فأوعز قيصر الروم إلى أتباعه الأحباش كي يحتلوا اليمن، وقدم لهم الدعم، فقدم إلى اليمن جيش من سبعين الف مقاتل، فأذّلوا حمير بقتل ثلث رجالها، وتخريب ثلث بلادها، وسبي ثلث نسائها، وإرسالهن إلى الحبشة بعد مقاومة يسيرة من أهالي اليمن، وذلك عام 525م(1).
ولقد حاول ذو نواس أن يجمع حوله أقيال اليمن ليقاتل الأحباش، فخذله الأقيال، فأعمل الحيلة، وخدع الأحباش، وحقّق نصراً يسيراً عليهم، ولكنّهم عادوا إليه بجيش كبير لا طاقة له به، فقال:
(الموت خير من إسار أسود، ثم أقحم فرسه لجّة البحر، فمضى به فرسه، وكان آخر العهد به)(2).
وكذلك فعل ذو جَدَن الهمداني، فقد ناوش الأحباش، ولكن همدان تَفَرّقت عنه، فتخَّوف على نفسه، فقال: (ما الأمر إلا ماصنع ذو نواس، فأقحم فرسه البحر، فكان آخر العهد به)(3).
وقد أظهر ذو جَدَن الحميري في شعره الأسى للخراب الذي أنزله الأحباش باليمن، فقال(4):
هَوْنَكِ ليس يَرُدُّ الدمعُ مافاتا ... لا تَهْلِكي أَسَفاً في ذِكْرِ مَنْ ماتا
(1) انظر تفصيلاً في الأغاني 17/ 303-306 وتاريخ الطبري 2/123-128، وسيرة ابن هشام 1/30-32، وتاريخ العرب القديم ص 104-105، وفيه إشارة إلى أطماع الروم باقتصاد اليمن، وموقعه التجاري، وأهميته في منافسة الروم للفرس.
(2) الأغاني 17/305
(3) المصدر السابق 17/305 ويبدو أن سخط أهالي اليمن على ذي نواس وعلى ذي جدن جعلهم يعرضون عن التوحّد والقتال بإمرتهما.
(4) تاريخ الطبري 2/125، وبينون وسلحين من حصون اليمن.