وإن في قوله ورقة: "ولأنشدن عمراً وإن لم ينشد" لدليلاً على أن قريشاً كانت راضية عن مقتل عثمان، فلم ينشد أحد دمه لدى عمرو بن جفنة سوى الشاعر، ويبدو أن ورقة نفسه كان غير راضٍ عن سعي عثمان إلى جعل مكة تابعة للنفوذ الرومي، ولو كان راضياً عن فعلة عثمان لكان ذكرها، وعدّها مأثرة له، فهي أهم حدث في حياته، وهي سبب مقتله.
وكان الروم يطمحون إلى السيطرة على اليمن، وقد تعذّر عليهم ذلك، فاستعانوا بالأحباش ويبدو أنّ أطماع الروم باليمن لم تكن خافية على بعض العرب، ومنهم الأعشى الذي مدح سَيِّديْ نجران بل أوصالهما بالحفاظ على نجران، وبفعل الخير، وبأن يكفيا نجران أمر عظيمة، ثم أفصح الأعشى عن تلك العظيمة فإذا هي حشد القوة الرومية من أجل السيطرة على نجران في قوله(1):
وإنْ أَجْلَبَتْ صِهْيُونُ يَوْماً عليكُمَا ... فإنَّ رَحَى الحرب الدَّكُوكِ رَحَاكُما
وبذلك تتجلى صفحة أخرى من وعي الأعشى لانتمائه العربي، ومن رغبته في مواجهة المعتدين على العرب سواء أكانوا فرساً أم روماً، وهذا الوعي يلتقي مع وجود أحساس عربي بالعداوة للروم؛ فقد أكثر الشعراء من الرمز للعداوة بلون الصهبة، وهي بلون الروم بخاصة(2).
ج- الصراع مع الأحباش:
(1) شرح ديوان الأعشى ص 243، والحرب الدكوك: هي الحرب المدمرة التي لا تبقى شيئاً.
(2) انظر هذه الرسالة ص 177.