تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد أنفت قريش من الانقياد إلى ملك عميل للروم، وإن كان واحداًمنها فدلت بذلك على ظهور بوادر الوعي بالانتماء العربي بين أبنائها، وإذا تَتَبَّعنا قصة عثمان فسوف نجد بوادر مشابهة عند الغساسنة، والأكثر أهمية من ذلك هو استغاثة القرشيين بالغساسنة من أجل صرف قيصر عن تمليك عثمان على مكة فكلم تجار من قريش بالشآم عمرو بن جفنة في عثمان بن الحويرث، وسألوه أن يفسد عليه أمره، فكتب إلى ترجمان قيصر من أجل أن يحوّل كلام عثمان عند قيصر، فلما دخل عثمان عند قيصر يكلمة، قال قيصر للترجمان: ماذا قال؟ فقال: مجنون، يشتم الملك، فأمر به فأخرج، ولكن عثمان عرف أنه أتي من قبل الترجمان، فاحتال حتى دخل على قيصر، وأعلمه رفض قريش لأوامره، فكتب قيصر لعثمان كتاباً إلى عمرو بن جفنة أن يحبس له من أراد حبسه من تجار قريش، فقدم عثمان على عمرو بن جفنة فوجد بالشآم أبا أحيحة سعيد بن العاص الأموي، وأبا ذيب العامري فحبسهما ولكن عمرو بن جفنة دس السم لعثمان بن الحويرث، فقتله(1)، وبذلك وئدت محاولة قيصر للاستيلاء على مكة بتضافر مساعي قريش مع مساعي الغساسنة، ولم يكن ذلك التضافر إلا تعبيراً عن تلاقي مشاعر الانتماء العربي المعادي للنفوذ الرومي(2).

ومن الظاهر رضا قريش عن قتل الغساسنة لعثمان بن الحويرث، ولذلك لم تطالب بدمه، ولم يرثه أحد سوى رجل من رهطه، هو ورقة بن نوفل الأسدي الذي قال(3):

فَلأَبكَيِنْ عثمانَ حقَّ بكائِهِ ... ولأَنْشُدَنْ عَمْراً وإنْ لم يُنشَدِ

(1) انظر قصة عثمان بن حويرث في جمهرة نسب قريش 1/425-428

(2) قد يكون للغساسنة رغبة في عدم وجود منافس عربي لهم عند الروم انظر شعر قريش ص 44.

(3) جمهرة نسب قريش 1/419

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة * · الصفحة ٥٧٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة *ص ٥٧٢