إن سياسة اللين التي اتبعها الروم مع عرب الجاهلية في بلاد الشام تُفَسِّرُ لنا خُلُّو الشعر الجاهلي شبه التام من أخبار الصراع العربي مع الروم، وأمّا مديح الأعشى لإياس بن قبيصة الطائي، قبل وقعة ذي قار، حين استعان به كسرى على محاربة الروم، فنجح في مهمته، فإنّه من قبيل الاعتداد بعربي نجح في مهمة أعلت شأنه وشأن العرب لا شأن الفرس. ويؤكد ذلك أن الأعشى يرى في عودة إياس المظفرة من غزو الروم عودة بالخير إلى قبائل معدّ كلها(1).
ويبدو أن تلك السياسة الرومية إضافة إلى البعد المكاني من الأسباب التي جعلت بعض العرب لا يرهبون الروم، ومن الشعر الدال على ذلك أن عمرو بن الأهتم التميمي اتَّهَمَ ابن عمه قيس بن عاصم بأن أصله رومِيٌّ، وذلك في قوله لقيس في أثناء وفادة تميم على الرسول صلى الله عليه وسلم(2):
إن تُبْغِضُونا فإنَّ الرّومَ أَصْلُكمُ ... والرومُ لا تملِكُ البغضاءَ للعربِ
إن قول عمرو التميميّ وهو في يثرب: (والرومُ لا تملِكُ البغضاءَ للعربِ) دليل على أنه يشعر بالانتماء إلى العرب، وهم في عرفه لا يخشون الروم، وهذا العرف ينطبق على الأقل على قومه تميم، وعلى المستمعين إليه، وهم سكان نجد والحجاز البعيدون عن السلطة الرومية.
ولكن الاختلاف بين سياسة الروم، وسياسة الفرس تجاه العرب لا ينفي تشابه أطماعهم في احتلال الأرض العربية، واستغلال أهلها؛ فالروم حريصون على استمرار وجودهم في بلاد الشام، وكانوا يرغبون في السيطرة على الحجاز واليمن، وفي استمالة عرب العراق أيضاً، وإن في قول عدي بن زيد العباديّ يصف النعمان بن المنذر(3):
ولا تَحُلُّ نَبِيَّ البِشْرِ قُبَّتُهُ ... تَسُومُهُ الرومُ أنْ يُعْطُوهُ قِنْطارا
(1) انظر قصيدة الأعشى في مديح إياس في شرح ديوانه ص 88-96.
(2) الأغاني 4/157
(3) ديوان عدي ص 53