أَطَورَيْنِ في عامٍ غَزَاةٌ وَرِحْلَةٌ ... إلا ليت قَيْساً غَرَّفَتْه القَوابِلُ
وَلَيْتَكَ حالَ البَحْرُ دُونَكَ كُلُّهُ ... وَكُنْتَ لَقَّى تَجري عليه السَّوائِلُ
كَأَنَّكَ لَمْ تَشْهَدْ قَرابينَ جّمَّةً ... تَعِيثُ ضِبَاعٌ فِيهمُ وَعَواسِلُ
تَرَكْتَهُمُ صَرْعَى لدى كُلِّ مَنْهَلٍ ... وَأقْبَلتَ تبِغي الصُّلْحَ أُمُّكَ هابِلُ
لقد كانَ في شَيْبَانَ لو كُنْتَ راضياً ... قِبَابٌ وَحَيٌ حِلَّةٌ وَقَنَابِلُ
وَرَجْرجَةٌ تُعْشِي النواظِرَ فَخْمَةٌ ... وَجُرْدٌ على أكنافِهنَّ الرَّوَاحِلُ
تَرَكْتَهُمُ جَهْلاً وكنتَ عَمِيدَهُمْ ... فَلا يَبْلُغّني عَنْكِ ما أنتَ فاعِلُ
إن مشاعر الانتماء العربي والقبلي لدى الأعشى ثائرة ومتألمة لأنّ سَيِّداً عربياً من قبيلته خضع لكسرى في عام واحد مرتين: الأولى حين رضي أن يكون أحد القادة العرب في الجيش الفارسي يوم ذي قار، والثانية حين رضي أن يفد إلى كسرى بعد ذي قار، ولكن غضب الأعشى على قيس لا يخفي حبه له، وإعجابه بصفاته القيادية؛ فقيس محط رجاء لبني وائل (بكر وتغلب)، ولكن خضوعه للفرس جعل الأعشى يتمنى لو أن قيساً مات قبل ذلك، إن الأعشى المفعم بمشاعر الألفة العربية والقبلية يستغرب رغبة قيس في مصالحة كسرى بعد ذي قار؛ ففيه رأى قيسٌ قومه يقتلون بالسيوف الفارسية والعربية العميلة للفرس، والأعشى يرى أن باستطاعة قيس -لو شاء- أن يمتنع على كسرى بسيوف قومه بني شيبان، ولكن الجهل ساق قيساً إلى كسرى، وإن قول الأعشى لقيس (وكنت عميدهم) لدليلاً على أن الخضوع لكسرى أفقد قيساً زعامة بني شيبان، وإن في قوله (فلا يبلغني عنكَ ما أنت فاعل) لدليلاً على أن الأعشى يتمنى الموت على أن يسمع بأن زعيماً عربياً شيبانياً يلقي بيده إلى كسرى.
ولكن قيساً لقي لدى كسرى مالقي النعمان بن المنذر قبله، فلماذا؟ من المرجح اعتماداً على مجيء ليلة يوم ذي قار إلى قومه، وإشارته عليهم بما يصنعون أن قيساً لم يكن عميلاً للفرس.