ولذلك كان الانتصار في ذي قار نصراً عربياً لا قبلياً، وماسيوف البكريين وحلفائهم المنتصرة إلا رسل متقدمون للقوى العربية الناهضة، ولمشاعر الانتماء العربي النامية، وأضاء تلك الحقيقة إعلان الرسول العربي محمد بن عبد الله القرشي صلى الله عليه وسلم لها من يثرب في قوله عن ذي قار (هذا يوم انتصفت فيه العَرَبُ من العجم، وبي نصروا)(1)، وإن في قوله (ص) (انتصفت) مايدل على أن وقعة ذي قار لم تكن نصراً عسكرياً فحسب بل انتصار للحق العربي على الظلم الفارسيّ.
وأما عملاء الفرس فقد تطامنوا أمام المدّ القومي، ومن الأشعار الدالة على الأسف لما بدر منهم قول والدة عميل فارسي (عمرو بن عدي بن زيد العبادي) قتل في ذي قار(2):
ليتَ نُعمانَ علينا مَلِكٌ ... وبُنَيَّ لي حيٌّ لم يَزَلْ
وقد أدرك الشعراء عظمة يوم ذي قار، فتغنوا به، ففي أثناء احتدام المعركة انطلقت ألسنة بعض المقاتليين بالأهازيج الحماسية ضد الفرس، كقول حنظلة بن ثعلبة بن سيَّار العجلي(3):
يا قَوم طِيْبُوا بالقتالِ نَفْسَنا ... أجْدرُ يومٍ أن تَفُلُّوا الفُرْسَا
وبعد النصر تعالت صيحات الفخر بيوم عظيم، كقول العُديل بن الفرخ العجلي: البكري(4):
ما أَوْقَدَ الناسُ مِنْ نارٍ لَمْكرُمَةٍ ... إلاّ اصطْلَيْنا، وكُنَّا مُوقِدِي النَّار
ومايَعُدُّونَ من يومٍ سِمعْتُ بهِ ... للناسِ أفْضَلَ مِنْ يَومٍ بذي قارٍ
(1) الأغاني 24/72
(2) المصدر السابق 24/70
(3) النقائض 2/642، ولمزيد من أشعار الحماسة في أثناء معركة ذي قار انظر الأغاني 24/68، وتاريخ الطبري 2/208-210.
(4) العقد الفريد 5/266