كانت غضبة كسرى أعظم من رفض النعمان لطلبه؛ فقد قُتل النعمان، وانتقل ملك الحيرة إلى أسرة جديدة، وتلك عقوبة لا يوجبها رفض النعمان لزواج إحدى بناته من كسرى، بل توجبها ضرورة سياسية عليا، وقد أفصح كسرى عنها حين كتب إلى ابنه شيرويه: (وأمّا ما زعمت من قتلي النعمان بن المنذر، وإزالتي الملك عن آل عدّي إلى إياس بن قبيصة، فإن النعمان وأهل بيته واطَؤُوا العرب، وأعلموهم تَوَكّفهم (توقعهم) خروج الملك عَنّا إليهم، وقد كانت وقعت إليهم في ذلك كتب، فقتلته، ووليتُ الأمرَ أعرابيّاً لا يعقل من ذلك شيئاً)(1)
وبذلك تتضح الأسباب البعيدة لمقتل النعمان؛ فلقد اتبع سياسة جعلت كسرى لا يتخَوّف من انكماش النفوذ الفارسي على العرب فحسب بل يتخوّف من انتقال الملك من الأكاسرة إلى النعمان والعرب، وقد لمس كسرى (في تصرفات النعمان بعض ما يعزّز ظنونه، إذ اتجه إلى توسيع نفوذه في شبه الجزيرة العربية، فامتد سلطانه إلى البحرين وجبل طّيئ، وكثرت لطائمه التي يرسلها إلى الحجاز، و..... أصبح بلاطه موئلاً للشعراء العرب ولأدبائهم، والتفّ حوله زعماء القبائل)(2)ويضاف إلى ذلك قتل النعمان لعدي بن زيد العبادي، وهو رأس أسرة عربية عميلة للفرس، وكذلك، وهو الأهم، اطلاع كسرى على كتب تدل على نوازع النعمان والعرب المعادية للسلطة الفارسية.
(1) تاريخ العرب القديم ص 169-170
(2) أبو حنيفة الدينوري، 1960م، الأخبار الطوال، تحقيق عبد المنعم عامر، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة ص 109-110