وأمّا قبول مالك بن حارثة التغلبي بقيادة الهجوم على إياد فمن المرجح أن كسرى أغراه بمكاسب مادية له ولقبيلته، فانقاد إلى كسرى، ودلّ بذلك على عجزه عن فهم حقيقة الصراع في العراق، وعلى تقديمه الانتماء النسبي (القبلي) على الانتماء العربي، فكانت رغبته في تحقيق المصالح الخاصة به وبقبيلته سبباً في قبوله التبعية للفرس والانقضاض على العرب الإياديين.
لقد ربح الفرس جولتين ضد الجاهليين، الأولى حين واجهت قضاعة الفرس وحدها فسقطت الحضر، وطردت قضاعة من العراق والثانية حين واجهت إياد مصيراً مشابهاً لمصير قضاعة، وبأيدٍ عربية. وأرى أن هاتين الجولتين كانتا درسين أسهما في تكوين الوعي العربي لدى فئة من الجاهليين، فكان الإحساس بالوجود العربي في مواجهة الوجود الفارسي في العراق، وإنّ في مصرع النعمان بن المنذر وفي معركة ذي قار مايؤكّد ذلك الإحساس، ومايوحي بوجود جهد خفي لتثبيت الوجود العربي المستقل في العراق.
وبأمر من كسرى، وتحت أرجل الفيلة قُتِلَ ملكُ الحيرة النعمان بن المنذر (580-605م)(1)ومن المشهور أن كسرى أقدم على فعلته بسبب مكيدة حاكها عميل للفرس هو زيد بن عدي العبادي التميمي، فقد حَبّبَ زيد إلى كسرى الزواج من أسرة النعمان، ولكن النعمان رفض تلبية طلب كسرى الذي صبر مدّة، ثم استدعى النعمان إلى العاصمة الفارسية، ولما قدم إليها، أمر كسرى بالقبض على النعمان ثم قتله، وَوَلّى على الحيرة إياس بن قبيصة الطائي(2).
(1) وقيل: مات النعمان بالطاعون، وهو في سجن النعمان (انظر الأغاني 2/120، وتاريخ الطبري 2/206).
(2) انظر الخبر مفصلاً في تاريخ الطبري 2/201-206، والأغاني 2/112-120