تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فَلَمّا بلغ إياداً (كتاب لقيط استعدوا لمحاربة الجنود التي بعث بها كسرى(1))، وقيل إن الإياديين (لم يلتفتوا إلى قول لقيط وتحذيره إياهم ثقة بأنّ كسرى لا يقدمُ عليهم(2))، وحين التقى الفريقان هُزمت إياد ولحقت بأطراف الشام، فكان مصيرها مشابهاً لمصير قضاعة التي ارتحلت فلولها إلى الشام بعد سقوط الحضر(3).

واللافت في خبر انتصار الفرس على إياد أن جموع الفرس كانت بقيادة رجل عربي هو مالك بن حارثة الجشمّي، التغلّبي، فقد بعث إليه كسرى (ووجه معه أربعة ألاف من الأساورة)(4)، فإذا صحت هذه الرواية، وصدق لقيط في إخباره عن جيش قوامه ستون ألفاً فإن الجيش الذي هزم الإياديين كان جيشاً عربياً فيه عدة آلاف من الفرس يأتمر بأمر كسرى، ولكن شعر لقيط لا يدل على وجودٍ عربيّ في جيش كسرى، فلماذا أغفل لقيط ذلك؟ ثمة احتمالان: الأول أن جيش كسرى لم يكن فيه عرب أو أن لقيطاً لم يكن يعرف بوجود العرب في ذلك الجيش، وهذا أمر مستبعد؛ فصلةُ لقيط كانت وثيقة ببلاط كسرى؛ والثاني أن لقيطاً أغفل عامداً الإشارة إلى وجود العرب في الجيش الفارسي لإدراكه أن الصراع هو بين إياد والفرس، وليس بين إياد وتغلب، فكان تحذيره لقومه من الفرس وحدهم وضعاً للأمور في مواضعها الصحيحة، ومنعاً لتحويل الصراع من صراع بين العرب والفرس إلى صراع بين القبائل العربية الموجودة في العراق، وهذا التحويل كان هدفاً فارسيّاً به يضعف العرب، وتضعف فرص توحدهم ضد الفرس، وبه تتضائل القوى التي تلزم الفرس للحفاظ على وجودهم في العراق، وسيادتهم على العرب فيه، وبه يفلون الحديد بالحديد.

(1) المصدر السابق ص 50

(2) الأغاني 22/360

(3) انظرمعجم مااستعجم 1/26، 71-75، وتاريخ الطبري 2/42، والأغاني 22/360.

(4) الأغاني 22/358.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة * · الصفحة ٥٥٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الانتماء في الشعر الجاهلي * دراسة *ص ٥٥٥