وكذلك جذب سواد العراق قبائل إياد، فكان الصراع بينهم وبين الفرس على تَمَلّك الأراضي الخصبة واستغلالها، يقول أبو داؤد الإيادي(1):
فنازَعْنا بني الأحرارِ حَتىَّ ... عَلَفْنا الخيلَ من خَضِرِ السَّوادِ
ويبدو أن الفرس حاولوا اصطناع الإياديين(2)، فلم تنجح محاولة ترويضهم على الخضوع للسلطة الفارسية، فلقيت إياد مصيراً مشابهاً لمصير قضاعة، فقد عَبّأ كسرى لإياد قوة ضاربة، فأنذرهم بها لقيط بن يعمر الإيادي، إذ بعث إليهم -وكان يعمل عند كسرى- بصحفية فيها(3)
سلامٌ في الصحيفةِ من لَقيطٍ ... إلى مَنْ بالجزيرةِ من إيادِ
بأنّ الليثَ كِسْرَى قَدْ أتاكُمْ ... فلا يَشْغَلْكُمُ سَوْقُ النِّقادِ
أتاكُمْ منهم سِتُّوَنَ ألْفاً ... يَزُجُّون الكتائبَ كالجرادِ
علىحَنَقٍ أتينكُمُ، فهذا ... أوانُ هلاكِكُمْ كهلاكِ عادٍ
ولكن هذه الرسالة لم تفلح في تنبيه الإياديين على الخطر القادم إليهم، فأتبع لقيط تلك الأبيات بقصيدة مطولة دعاهم فيها إلى اليقظة، والاستعداد لمجابهة ذلك الخطر بتوحيد الجهود، بالتعبئة للحرب، وبالانقياد إلى رجلٍ منهم حازم، ذي نجدة، قادر على تحدّي الناس كلهم، ثم ختم قصيدته بقوله(4):
هذا كتابي إليكُمْ والنذيرُ لكم ... لِمنْ رأى رأيه منكمْ ومن سَمِعَا
لَقَدْ بَذَلْتُ لكمْ نُصْحِي بلا دَخَلٍ ... فاستيقظُوا إنّ خيرَ ا لعلمِ مانفعا
(1) دراسات في الأدب العربي ص 310
(2) استخدم كسرى عدة مئات من بني إياد، وجعلهم مراصد على الطريق فيما بينه وبين الفرات (انظر معجم مااستعجم 1/71-72)، وكان لقيط بن يعمر الإيادي الشاعر كاتباً لكسرى بالعربية وترجمانه (انظر معجم مااستعجم 1/75).
(3) ديوان شعر لقيط ص28-29، والنقاد: صغار الغنم، واحدتها نقدَة، وقيل إن هذه الأبيات كانت عنواناً للقصيدة المطولة التي حذر فيها لقيط إياداً (انظر الأغاني 22/360).
(4) انظر القصيدة في ديوان لقيط ص30-50